تداعيات الجائحة .. الجوع أشدها
ضرب فيروس كورونا كثيرا من مشاريع التنمية الدولية والمحلية حول العالم، وتحول التركيز في أغلبية البلدان إلى ميدان الإنقاذ الاقتصادي بعد إغلاقات صعبة ومستمرة أدت إلى خوض معارك لا تتوقف من أجل الوصول إلى مرحلة الانتعاش التي تمهد الطريق إلى التعافي الاقتصادي. ورغم بعض التقدم الذي حدث خلال الأشهر القليلة الماضية بسبب الإصلاحات العاجلة والحوافز المقدمة، إلا أن الضغوط الاقتصادية لا تزال كبيرة، ليس فقط على الموازنات السنوية المحلية، بل على المشاريع الإنمائية التي اعتمدتها الأمم المتحدة مطلع الألفية الحالية.
والمشاريع التنموية - كما هو معروف - حققت كثيرا من أهدافها خلال العقدين الماضيين، على مختلف الأصعدة، مثل التعليم والصحة والبنى التحتية وحماية البيئة وتطويرها، والقضاء على الأمراض الوبائية، والحد من الفقر والجوع حول العالم. إلا أنها تأثرت بصورة مخيفة في أعقاب تفشي كورونا على أوسع نطاق. ومشاريع القضاء على الجوع تعد جزءا لا يتجزأ من مشاريع الحرب ضد الفقر. فالأول يأتي من فرط استفحال الثاني. وكانت "مجموعة العشرين" خلال رئاسة السعودية دورتها السابقة، حريصة على طرح هذه المسألة ضمن أولويات المجموعة التي اتخذت زمام المبادرة العالمية منذ أكثر من عقد من الزمن.
فالمناطق التي تعاني الجوع، ارتفع مستوى هذه الآفة فيها خلال أزمة الجائحة، وذلك بعد تراجع الدخل القومي لديها، إلى جانب تضخم وارتفاع الأسعار، فضلا عن أن حكومات الدول الفقيرة أصبحت شبه عاجزة عن القيام بمهامها نتيجة الضغوط الاقتصادية المتتالية التي جلبتها الجائحة المشار إليها.
فقد تم على سبيل المثال، تجميد ديون هذه الدول، وإلغاء نسبة من هذه الديون، وتوفير الاحتياجات الأساسية لها. وطبقا لتقديرات الأمم المتحدة، فإنه قد يتجه العالم إلى أزمة جوع غير مسبوقة. وتشير التقديرات إلى أن عدد الوفيات بسبب الجوع الناجم عن كورونا سيزيد على عدد الوفيات بالفيروس. وقد يصل عدد الذين يعانون نقص التغذية في العالم بحلول 2030 إلى نحو 909 ملايين شخص.
ومن هذه الأرقام، فإن الجوع سيكون أخطر من الجائحة في تعداد الوفيات، وهو ما يزيد على عدد الوفيات الناجمة عن الإصابة بالفيروس، بعدما أدت الجائحة إلى اضطراب سلاسل توريد المواد الغذائية، والأنشطة الاقتصادية، وتقويض القدرة الشرائية للمستهلكين، وهو ما يجعل الأمر غير مسبوق ومأساوي في آن واحد، خاصة أن الجوع يحصد الأرواح في الوقت الذي تزداد فيه فوائض الغذاء في العالم بنسب مرتفعة، وسط توقعات بمستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي في الدول التي اعتادت الاستقرار النسبي في التوريدات.
لكن المشكلة تبقى في أن البرامج الإنمائية التابعة للأمم المتحدة، باتت بصورة أو بأخرى تحت رحمة تداعيات الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الوباء. والقضاء على الجوع بحلول عام 2030، بات أكثر صعوبة من أي وقت مضى، وذلك وفق تقرير مشترك بين منظمة الأغذية والزراعة العالمية "فاو"، ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. واللافت أن التأثيرات السلبية في مشاريع القضاء على الجوع، ظهرت حتى في ظل نجاح قطاعي الزراعة والأغذية عموما في مقاومة تداعيات أزمة كورونا، مقارنة ببقية القطاعات الأخرى التي نالت منها الأزمة بصورة خطيرة، إلى درجة أنها أخرجت مؤسسات كبرى فيها من السوق نهائيا، واحتمت أخرى بحزم الإنقاذ الحكومية المختلفة. ولا يجب إغفال أن الجوع يرتبط أيضا بالمستوى الصحي للأغذية.
فالنظام الغذائي سيتأثر بشكل متفاوت من منطقة إلى أخرى، وأحيانا بين دولة وأخرى في ذات الإقليم. واستنادا إلى تقرير المنظمتين الدوليتين، فإن البلدان متوسطة الدخل ستشهد بعض الزيادة في مستوى النظام الغذائي، لكن لن يبقى هناك أي تحسن على صعيد الدول منخفضة الدخل. وسيتواصل الطلب على المنتجات الغذائية من كل سلاسل الإمدادات في الأعوام المقبلة، وستكون هناك فوارق واضحة بين الدول الغنية والفقيرة في مستوى القيم الغذائية للمنتجات عموما.
ففي الدول الفقيرة لن يزداد نصيب الفرد من الغذاء سوى 2.5 في المائة فقط خلال العقد المقبل، وهي نسبة منخفضة مقارنة بنصيب الفرد في البلدان الغنية أو حتى متوسطة الدخل. وفي كل الأحول، ستؤثر الضغوط المالية على الحكومات، حتى على المشاريع التنموية الدولية، سلبيا في الأعوام القليلة المقبلة، ولا بد أن يشهد العالم نموا مقبولا لكي تحقق الأمم المتحدة أهداف الألفية التي وضعتها قبل أكثر من عقدين.