النقل .. تكامل رقمي ولوجستي
في أي اقتصاد يعد النقل والخدمات اللوجستية العمود الفقري له، وقد ازدادت أهمية هذا القطاع مع الانتقال إلى الاقتصاد الرقمي، حيث تباع الأشياء وتشترى عبر التطبيقات الإلكترونية والأسواق الافتراضية، لكن لا يمكن أن تنقل هذه السلع من مصانعها إلى أي مكان للمستهلكين إلا من خلال قطاع النقل الحقيقي، فهو الحلقة التي تربط الاقتصاد الرقمي بالاقتصاد الحقيقي.
وهنا لا بد من التأكيد أن الاقتصاد الرقمي في عالمنا اليوم لا ينتظر أحدا، فهو يتقدم بصورة سريعة ومذهلة، لذلك لا مجال لقطاع النقل إلا أن يواكب هذه التطورات، أو أن يصبح الحلقة الأضعف في سلسلة إنتاج القيمة، ويصبح العبء الأكبر على الناتج المحلي، وبالتالي ستبحث السلع عن مسارات أخرى واقتصادات جديدة قادرة على التواؤم مع المتغيرات المتسارعة.
ويعد قطاع النقل ركنا أساسا من أركان التنمية المستدامة، ومحركا اقتصاديا حيويا يعتمد نجاحه على مدى توافر البنية الأساسية للطرق ووسائل النقل المتعددة الوسائط بأساليب تقنية حديثة تواكب الفهم الاقتصادي المستخدم في العالم، لذلك جاءت خطة النقل الوطنية للسعودية مواكبة لاستراتيجية التنمية الاقتصادية، حيث تهدف إلى تطوير قطاع النقل وإنعاش كل طاقاته الاستيعابية لتحقيق متطلباتها. ومن هذا المنطق، فإن استراتيجية النقل تستهدف تعظيم اقتصادات النقل والخدمات اللوجستية، ودعم التنمية المستدامة.
ولأن اقتصاد السعودية يعد أحد أكبر 20 اقتصادا في العالم، وهو الأكبر في الشرق الأوسط، وضعت الرؤية مستهدفات كبيرة ليس أقلها أهمية رفع نسبة الصادرات غير النفطية من 16 إلى 50 في المائة من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي، ورفع نسبة مساهمة القطاع الخاص من 40 حتى 65 في المائة من الناتج المحلي. كما تم رسم سياسة للاقتصاد الرقمي في عام 2019 تضع خريطة طريق للجهات الحكومية والخاصة في السعودية لتسهيل الاستثمار في الاقتصاد الرقمي.
كما ترتكز سياسة الاقتصاد الرقمي على سبعة مبادئ أساسية، وهي الوصول، والتقنيات والابتكار، ورأس المال البشري، والرخاء الاجتماعي، والشمولية، والثقة بالبيئة الرقمية، وانفتاح السوق، حيث تعزز هذه المبادئ من إيجاد بيئة رقمية استثمارية جاذبة.
وإذا أضفنا إليها تلك الركائز الاستراتيجية لجعل المملكة طريقا لعبور السلع العالمية عبر القارات الثلاث، فإن المرحلة المقبلة من تنفيذ الرؤية، خاصة في مساراتها الاقتصادية، ستعتمد على النجاحات في قطاع النقل والخدمات اللوجستية.
وتأتي استراتيجية النقل والخدمات اللوجستية، التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تزامنا مع تعديل مسمى وزارة النقل إلى وزارة النقل والخدمات اللوجستية، لتعطي هذا القطاع الزخم الذي يحتاج إليه في الوقت الصحيح تماما، كما أنها تؤكد أن صناعة القرار السعودي تعي تماما تلك العلاقات الاقتصادية الشمولية، والترابط بين القطاعات.
ومن هنا، جاءت تصريحات وزير النقل والخدمات اللوجستية، عقب إطلاق الاستراتيجية، لتؤكد العزم الكبير لدى القيادة في إحداث نقلة موضوعية كبرى في هذا القطاع الحيوي، لتصل مشاركته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10 في المائة، وإلى جانب ذلك سيتم الوصول إلى مناولة 40 مليون حاوية في 2030، لذلك يتم العمل في الموانئ على عدة مبادرات، منها إنشاء مناطق لوجستية متكاملة داخل الموانئ وخارجها وربطها بالموانئ.
هذا سيمكن من زيادة الحصة السوقية لحاويات المسافنة، واستهداف 45 في المائة من الحصة السوقية الإقليمية في 2030، مع تطوير للمطارات، وبشكل أساسي جدة والرياض، لتصبح محورا عالميا للنقل للمسافات الطويلة، مع الوصول إلى 100 مليون مسافر سنويا في 2030، وبالتالي فإن هذه المستهدفات كوحدة واحدة ستحقق نموا كبيرا في الوظائف الجاذبة بشكل مباشر وغير مباشر.
وإلى جانب تلك الآثار الاقتصادية لتطوير هذا القطاع، فإن الخطة تستهدف أيضا تحقيق مستهدفات أخرى تتضمن جودة الحياة، حيث من المستهدف رفع مستوى السلامة على الطرق وتخفيض الحوادث، بنسبة تصل إلى 50 في المائة، كما أن هناك خططا لتطوير نقل عام في 16 مدينة، وخطة للنقل في المدن الكبرى، ومع تطوير مماثل في المطارات لتستوعب أكثر من 330 مليون مسافر سنويا، مقارنة بنحو 103 ملايين مسافر حاليا، وزيادة الوجهات لأكثر من 250 وجهة دولية، إلى جانب تحفيز استراتيجية الخطوط الحديدية لتستهدف من خلالها نقل 25 مليون مسافر وشحن 36 مليون طن.