رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الديون .. جائحة ما بعد الجائحة 

 
يحاول العالم بأسره الإفاقة من جائحة فيروس كوفيد - 19 عقب التداعيات والخسائر جراء هذا الفيروس بانتشاره العالمي على الدول كافة وتوقف الأعمال في القطاعات التجارية والاقتصادية دون استثناء بسبب سياسات الإغلاقات، ولقد كان الهدف الأساسي في الصراع الذي دار بين البشرية جميعا من جانب، وهذا الفيروس القاتل والمنتشر بسرعة من جانب آخر هو الحفاظ على الأرواح، ثم العودة بشكل تدريجي للحياة الطبيعية، وقد تحققت نسبة جيدة في المحافظة على الأرواح، خاصة بعدما تم اكتشاف اللقاحات، فإن مسار العودة للحياة الطبيعية يبدو متعرجا، والنجاح فيه قد يستغرق وقتا أطول مما تم تقديره.

ولا شك أن فيروس كوفيد - 19 قد غير كثيرا من المفاهيم حول سلامة الإمدادات حول العالم، فالتركيز الشديد في صناعة معينة في دولة واحدة أو إقليم يعد مخاطرة بشرية كبيرة، حتى لو لم تكن هناك تصرفات احتكارية حتى لو أن الأسعار معتدلة، فإن سلامة سلاسل الإمداد تعد ذات أهمية كبرى. إن ما تعانيه صناعة أشباه الموصلات والصناعات المرتبطة بها دليل على ما يمكن أن تسببه مثل هذه الظواهر، ذلك أن التعهدات الأساسية بضمان الإمداد لم تكن تتنبأ بحدوث حالة إغلاق عالمي بهذا الحجم الذي حدث، ولا نقص في الأيدي العاملة كما تسببت فيه الأزمة.

ومع الأسف إن حجم الانكشاف على المشكلات العالمية ذات الصلة التي كبدتها الكارثة لم يزل غير معلوم تماما امتداداتها، وهناك مفاجآت قادمة ليست من هذا القبيل، وليست أكثر وضوحا إلى هذا اليوم من التكهنات بنتائج تراكم الديون على عديد من الدول النامية. وواقعيا فإن أزمة الديون تعد أزمة عالمية تهدد عديدا من الدول بموجة من الفقر والجوع والاضطرابات الاجتماعية والصراعات في الدول النامية حول العالم، بسبب تداعيات فيروس كورونا وانتشاره المخيف الذي غطى كل دول العالم.

لقد جاهدت الأمم المتحدة لمكافحة الفقر من خلال برامج كثيرة ووضع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي خططا مستمرة لمعالجة الأسباب الرئيسة الكامنة وراء هذا الكابوس الخطر، وخلال رحلة عالمية مضنية استطاعت الأمم المتحدة تحقيق نجاح ملموس منذ عام 2000، عندما بدأت منحنيات الفقر تتراجع، لكن الفقر في تعريف الأمم المتحدة ليس الافتقار إلى الدخل أو الموارد بل يشمل الجوع وسوء التغذية وانحسار إمكانية الحصول على التعليم والخدمات الأساسية التي يتطلبها الإنسان في حياته اليومية، إضافة إلى التمييز الاجتماعي، هكذا كانت الحال قبل انتشار الفيروس وإذا كان معظم الفقراء يعيشون اليوم في إفريقيا ودول أمريكا اللاتينية وبعض دول آسيا، فإن الأزمة المقبلة ستجعل من ظاهرة الفقر أكثر منها، والسبب هو حجم الديون على حكومات تلك الدول.

وبحسب تقرير نشرته "بلومبيرج"، باتت الحكومات المتضررة مثقلة بالديون والسبب حاجتها الماسة أثناء الأزمة إلى دعم الأنظمة الصحية المتهالكة وتوفير شبكة أمان للمواطنين، لكن هذا أدى إلى تدهور مواردها المالية. واليوم مع استمرار آثار الجائحة فإن هذه الدول قد تعاني صعوبات في سداد ديونها، والمخاوف شديدة من تكرار سيناريو الكارثة الاقتصادية التي شهدها العالم خلال ثمانينيات القرن الـ20 عندما توالى إفلاسها على طريقة "نظرية الدومينو" لتدخل مرحلة ركود اقتصادي طويلة.

وخلال الشهور الأولى للأزمة دعا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز قادة دول العشرين، وبرئاسته، إلى إقرار دعم الدول الفقيرة من خلال تأجيل سداد الديون والفوائد، مع حزم كبيرة من الإعفاءات حتى تتمكن الدول المدينة من توفير الأموال لمواجهة الجائحة ودعم الناس، وسيكتب التاريخ بمداد من ذهب تلك القرارات التاريخية بقيادة السعودية التي تم من خلالها إنقاذ الملايين من البشر، لكن تطاول مدة الأزمة جعل دولا مثل زامبيا تعلن منذ العام الماضي توقفها عن سداد ديونها، وهناك دول أخرى تكافح بشدة لإرضاء الدائنين من خلال زيادة العائد على سنداتها الدولارية بنسبة 10 في المائة، ما سيؤجج نار أزمة ديون الدول الفقيرة ولن يعالجها.

وفي حين كانت بعض الدول مثل الأرجنتين ولبنان وفنزويلا وزامبيا تعاني من أجل سداد ديونها قبل الجائحة، فإنها الآن تقترب من قائمة المتعثرين نظرا لحجم الانكماش الذي بلغ في أمريكا اللاتينية نسبة 7 في المائة، كما أصبح 22 مليون شخص إضافيين غير قادرين على توفير احتياجاتهم الأساسية في هذه الدول. المثير للقلق أن الخروج من هذه الأزمة مرهون بصبر الدول والمؤسسات الدائنة الذي يبدو أنه قد نفد أو هو قريب من ذلك، فقد وردت تقارير تشير إلى أن مجموعة العشرين لن تمدد وقف تحصيل أقساط ديونها إلى ما بعد نهاية العام الحالي.

والصين التي تستحوذ على نحو 60 في المائة من ديون الدول الفقيرة، وأصبحت بذلك أكبر دولة دائنة في العالم، تقول بنبرة لا تخلو من التوتر إنها "خففت أعباء الديون عن نحو 20 دولة في العالم، فيما مؤسسات القطاع الخاص الدائنة والمؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي لم تفعل ما يكفي للتخفيف عن الدول الفقيرة". هذه الصورة القاتمة توضح أن العودة إلى الحياة الطبيعية لن تكون قريبة بأي حال، لكن إذا استطاع العالم تجنب الاضطرابات فإنه يمكنه احتواء الأزمة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي