رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


استثمار المكان والمكانة

منذ تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، لم تعد المملكة العربية السعودية تتعامل مع القضايا بصورة آنية، ولم تبق أساليب المعالجة المؤقتة جزءا من أسلوب العمل، بل أصبحنا نعمل بتركيز أكبر على مستقبل مشرق وفقا لرؤية واضحة، وخطط استراتيجية معدة بهدوء ذات مؤشرات عالمية ووطنية، وننتقل من مرحلة إلى أخرى بعد أن تستكمل كل مرحلة الوقت والمستهدفات، ولم يكن النقل استثناء في المرحلة الأولى من عمر تنفيذ رؤية السعودية 2030.

إن الموقع الجغرافي هو أهم مرتكزات رؤية 2030، فالسعودية تربط قارات العالم الثلاث، وقد عبرت عبر أراضيها ومياهها تجارة العالم لقرون خلت، فهي تجد نفسها قبل الرؤية بلا قطاع متكامل للنقل والخدمات اللوجستية يتناسب مع معطيات هذا العصر الذي أصبحت فيه الأسواق افتراضية، والنقل والخدمات اللوجستية المتطورة هي الذراع الوحيدة التي تربط بين هذا الاقتصاد الرقمي الافتراضي وبين الاقتصاد الحقيقي.

ولقد أثبتت جائحة كورونا مدى أهمية هذا القطاع في اقتصاد المستقبل، فسلامة الإمدادات هي الشعار العالمي الأهم اليوم، كما أن الدول التي تعبر من موانئها ومن طرقها البرية أهم بضائع وسلع العالم تكون دولا حصينة ولديها أمن اقتصادي، وأمن غذائي مستدام، و"الرزق حيث تتزاحم الأقدام" كما تقول العرب.

ولعلنا نشير إلى أن من أهم ركائز رؤية 2030 تحويل السعودية إلى المحور اللوجستي المفضل في المنطقة، والقادر على الربط الفعال للمسارات التجارية بين ثلاث قارات هي آسيا وأوروبا وإفريقيا. واليوم، وبعد مضي نحو أكثر من خمسة أعوام منذ إطلاق الرؤية، بدأت تتضح ملامح هذا المسار، مع مواصلة الجهود لجعل عمليات الاستيراد والتصدير أكثر سلاسة، وإعادة تشكيل لوائح وهياكل حوكمة القطاع اللوجستي، وفتح الطريق أمام تحرير السوق ومشاركة القطاع الخاص.

كما أن الشراكات بين القطاعين العام والخاص يتم تكوينها بهدف تمويل البنى التحتية، واستقطاب القدرات من أصحاب الخبرات. وبالتالي، فإنه من المتوقع بحلول عام 2030 أن تتبوأ السعودية مكانها بين أهم المراكز اللوجستية في المنطقة.

ولأهمية هذا المرتكز، تم تطوير برنامج أطلق عليه برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية في المرحلة الأولى من مراحل رؤية السعودية 2030، ويشمل البرنامج تطوير أربعة قطاعات مترابطة "الطاقة، التعدين، الصناعة، والخدمات اللوجستية"، وعلى أساس تكاملها لتحقيق قيمة مضافة وتعظيم الأثر الاقتصادي وتنويعه وإيجاد بيئة استثمارية جاذبة.

وفي هذه المرحلة الثانية من مراحل الرؤية التي ستمتد حتى عام 2025، فإن العمل التنفيذي هو المستهدف، ويتطلب الآن تخطيطا تنفيذيا أكثر دقة، وعملا أكثر تفصيلا، ولهذا أقر مجلس الوزراء تعديل مسمى وزارة النقل إلى وزارة النقل والخدمات اللوجستية، وبذلك أصبحت الخدمات اللوجستية ذات إدارة تنفيذية ولأول مرة في الإدارة العامة السعودية، كما أطلق الأمير محمد بن سلمان، الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، التي من خلالها سيتم ترسيخ مكانة السعودية الجغرافية لتصبح مركزا لوجستيا عالميا يربط القارات الثلاث، وهذا يتطلب جهدا كبيرا للارتقاء بالخدمات وجميع وسائل النقل وفقا لهذا التصور الجديد، من خلال أساليب وطرق عمل حديثة للنقل والخدمات اللوجستية. والخطة الاستراتيجية الجديدة للنقل والخدمات اللوجستية في السعودية تهدف إلى تأسيس صناعة متقدمة من الخدمات اللوجستية، مع التركز على تطوير البنى التحتية، وتطبيق أنظمة تشغيل متطورة.

ووضعت لهذه الاستراتيجية مستهدفات قابلة للقياس، من أهمها زيادة مساهمة قطاع النقل والخدمات اللوجستية في إجمالي الناتج المحلي الوطني إلى 10 في المائة، وزيادة حصته من الإيرادات غير النفطية سنويا إلى نحو 45 مليار ريال في 2030.

هذا يتحقق من خلال وصول السعودية إلى المرتبة الخامسة عالميا في الحركة العابرة للنقل الجوي، وزيادة الوجهات لأكثر من 250 وجهة دولية، وإطلاق ناقل وطني جديد، كما تستهدف الخطة مضاعفة الطاقة الاستيعابية لقطاع الشحن الجوي لتصل إلى أكثر من 4.5 مليون طن، و40 مليون حاوية سنويا.

وفي مجال النقل البري لم تتجاهل الاستراتيجية القضايا البيئية، حيث تستهدف تقليل استهلاك الوقود 25 في المائة. إن مشروع الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية يركز على التكامل والحلول الذكية والتنمية المستدامة، التي بالتالي ستحقق التوازن في الميزانية العامة للدولة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي