رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تكاليف التغير المناخي مرعبة

"هذا هو العقد الحاسم، لتجنب أسوأ العواقب الناجمة عن أزمة المناخ"
جو بايدن، رئيس الولايات المتحدة

لم يكن مفاجئا هذا الحماس الذي يبديه الرئيس الأمريكي جو بايدن، للحد من الآثار المدمرة للبيئة. فالرجل معروف حتى عندما كان نائبا للرئيس لمدة ثمانية أعوام، باهتمامه البالغ بهذه القضية العالمية المتفاقمة. وفي الفترة التي سبقت وصوله إلى الحكم في البيت الأبيض، عرض سلسلة من المشاريع الكفيلة بمواجهة فاعلة للتغير المناخي، وبدأ قبل أن ينصب رئيسا بمجموعة لا تنتهي من الاتصالات الدولية، لتكون الساحة جاهزة للعلاج إذا ما فاز بالرئاسة. والأمر لم يكن كذلك في عهد سلفه دونالد ترمب. فهذا الأخير، الذي لم يعترف بداية بوجود وباء كورونا المستجد، كان مقتنعا تماما أن حال الكرة الأرضية البيئي جيد للغاية، ولا داعي لأي إجراءات لحمايتها. ولأنه يعيش هذا المفهوم الوهمي، كان طبيعيا أن يتخذ أول قرار له فور وصوله إلى الحكم، بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ. تلك الاتفاقية التي ألزمت العالم بأخلاقيات وأدوات الدفاع عن البيئة.
قمة المناخ التي دعا إليها بايدن، وشارك فيها أكثر من 40 رئيس دولة، عرضت الحقائق كماهي دون تجميل دبلوماسي. والحق: إنها عقدت لسببين رئيسين: الأول، الرغبة الجامحة للرئيس الأمريكي في عقدها، والآخر، وهو الأهم، يتعلق بقناعة بايدن بما يقوله العلماء في هذا الخصوص، لا بما يروج له أصحاب رؤوس الأموال، ولا المؤسسات الكبرى التي وجدت أن مكافحة التغير المناخي ستضر بعوائدها. وهذا معروف للجميع. من هنا، اختلفت طبيعة المستشارين بين بايدن وترمب. فالأول يستند إلى العلماء، والآخر إلى أصحاب رؤوس الأموال. ولذلك لم يكن للرئيس الأمريكي السابق صديق واحد في ميدان حماية البيئة العالمية، ولا سيما فيما يرتبط بالارتفاع المخيف لدرجات حرارة الأرض.
القمة الكبرى التي عقدت افتراضيا، شهدت مشاركة سعودية كبرى من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز. كانت استراتيجية المملكة في هذا الخصوص مثار إعجاب كل من يسعى صادقا لوقف التدهور البيئي الحاصل. وهي استراتيجية تستند إلى مجموعة من المشاريع، التي تصب بقوة في مصلحة التوجه العالمي لحماية البيئة، بما في ذلك تلك المتعلقة بخفض انبعاثات الكربون، والاعتماد المتصاعد على الطاقة النظيفة، ومكافحة التصحر، وإنشاء المحميات والواحات، والاستثمارات المختلفة فيما أصبح يعرف بـ "الخطط الخضراء" محليا وإقليميا. والرياض قادت بالفعل خلال رئاستها الدورة السابقة لمجموعة العشرين حراكا دوليا على الصعيد البيئي، ترك آثارا إيجابية اعترف بها الجميع.
لكن هناك تفاوت كبير في تعهدات الدول، ولا سيما الكبرى في هذا المجال. ففي الوقت الذي تعهدت فيه الولايات المتحدة بخفض الانبعاثات الكربونية بنسبة تراوح بين 50 و52 في المائة بحلول عام 2030، لم تقدم الهند ولا الصين الدولتان الأكثر تسببا في الانبعاثات على مستوى العالم أي تعهدات. وهذا يجعل المصيبة البيئية حاضرة بقوة. إضافة طبعا إلى دول أخرى مثل البرازيل مثلا، التي يؤمن رئيسها تماما بمعتقدات ترمب البيئية نفسها. فحتى كندا، تعرضت لانتقادات من جانب مؤسسات حماية البيئة الكندية، بسبب تعهداتها في هذا المجال التي تقل عن تلك التي أعلنتها واشنطن. ورغم أن الأوروبيين هم من أكثر الملتزمين والمتعهدين بالحفاظ على مكتسبات البيئة العالمية، إلا أن تعهدات واضحة من الصين والهند، ستجعل العلاج أكثر سهولة.
تكلفة التقاعس أو التهرب من المسؤولية البيئية سترتفع بقوة في الفترة المقبلة. فعلى سبيل المثال، تحتاج الكرة الأرضية إلى عدم تجاوز درجة حرارتها بمقدار 1.5 درجة مئوية. وبمجرد ارتفاعها عن هذا المستوى، سيشهد العالم مزيدا من الحرائق الخطيرة بشكل متكرر إلى جانب طبعا الفيضانات والأعاصير وموجات الحر والجفاف. فالمسألة هنا ليست بيئية فحسب، بل هي أخلاقية أيضا، تختص بالأجيال المقبلة، التي أشار إليها خادم الحرمين الشريفين أمام القمة. فلا يمكن أن تواجه هذه الأجيال خرابا نحن مسؤولون عنه. هي معركة بلا شك، ولن تنتهي بالنصر إلا بتعاون دولي شامل وصادق. فالتعاون نفسه هو استراتيجية محورية في الحرب من أجل الأرض.
لا مجال هنا للحمائية. فالبيئة العالمية لكل البشر، ومن يعتقد أنه محصن في هذا المجال، فهو ليس أقل من واهم أو رافض للحقيقة. والتعهدات التي تطلقها الدول الكبرى، لا تسهم فقط في الحد من الخراب البيئي، بل تشجع أيضا الآخرين على أن يكونوا جزءا أصيلا من مشاريع الحد من التغير المناخي، علما أن هناك مكاسب اقتصادية في هذا الميدان، ربما لا تظهر في الوقت الراهن، لكنها آتية بلا شك في مراحل متقدمة. وسيكون مفيدا، لو قامت الدول المؤثرة دوليا، بسلسلة من التحركات لدعم هذا البلد أو ذاك في القيام بواجبه. بعض الدول الفقيرة لا تقوى بمفردها على خوض معركة حماية البيئة، لأسباب اقتصادية، لكن في النهاية هذا الجانب أسهل بكثير من أن يتحمل البشر تبعات تبدل مخيف في مصير الأرض التي يعيشون عليها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي