ديون المنطقة قوة ضاغطة
يصعب العثور عمن يتحدث عن الديون السيادية حاليا. فالعالم غارق فيها، وغاص إلى الأعماق، في أعقاب إقدام الحكومات حول العالم أو اضطرارها للاقتراض من أجل تمويل حزم الإنقاذ لاقتصاداتها التي توقفت أو اضطربت بفعل تداعيات وباء كورونا المستجد. حتى المؤسسات الدولية أخذت تنادي بضرورة الإبقاء على التمويل المالي في وقت الأزمة، وعدم التوقف عن السحب حتى إن تحسنت الأوضاع الصحية العالمية بعض الشيء، بفعل انتشار اللقاحات عالميا، وتراجع ضربات الوباء في أغلب المناطق في العالم. الخوف حاليا، أن يكون هذا التراجع مشابها لما حدث في الصيف الماضي، عندما انخفضت أعداد الإصابات بفيروس كوفيد - 19، وتحسن الأداء الاقتصادي بعض الشيء خلال تلك الفترة، حيث بات العالم يشهد شيئا من النمو هنا وهناك.
نمو الاقتصاد العالمي حاليا بات حقيقيا، والأمل أن يستمر حتى نهاية العام الجاري، ولا سيما بعد أن عدل صندوق النقد الدولي توقعاته بهذا الصدد، حيث تحدث عن نمو يصل إلى 6 في المائة هذا العام، ونحو 4 في المائة في العام المقبل. وهذه النسب جيدة بالفعل، وتعطي الأمل في عودة الاقتصاد العالمي شيئا فشيئا إلى ما كان عليه قبل الوباء. إلا أن الديون الحكومية تبقى جزءا رئيسا من مشكلة مقبلة، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فبالنسبة للبلدان المتقدمة، لا خوف في هذا المجال رغم أنها تجاوزت في أغلب الدول الناتج المحلي الإجمالي لها، وذلك لأنها قادرة على السداد، وإمكاناتها الاقتصادية قوية بما يكفل لها وضعية جيدة على ساحة الديون. فضلا عن أن عجزها المالي ناتج عن الإنفاق وانخفاض الإيرادات. أما في البلدان الناشئة فهذا العجز ناجم عن انهيار الإيرادات بصورة كاملة تقريبا.
لنترك هذه الأمر جانبا، فالتحذيرات الأخيرة للبنك الدولي حول ديون منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لافتة، وتستحق التوقف عندها، ولا سيما فيما يرتبط بأوضاعها ما بعد عودة الاقتصاد العالمي "بما في ذلك اقتصاداتها" إلى الحراك مجددا. فبحسب "الدولي"، فإن الدين العالمي لهذه المنطقة سيتضخم حيث يمثل 54 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي، مقابل 46 في المائة في عام 2019، وذلك بسبب النفقات المتعلقة بالجائحة العالمية. وهذه المنطقة كغيرها من مناطق العالم اضطرت إلى الاقتراض بشكل كبير لتمويل الإنفاق على الرعاية الأساسية، وإجراءات الحماية الاجتماعية. ما كان لها إلا أن تقوم بذلك لمواجهة أزمة لم تكن في الحسبان أصلا، في وقت تواجه فيه نقصا رهيبا في إيراداتها نتيجة توقف الحراك الاقتصادي بشكل عام.
وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإن الدول المستوردة للبترول فيها تتصدر قائمة البلدان الأكثر مديونية بالطبع، حيث تجمع الجهات الدولية عن أن نسبة الدين في هذه الدول تحديدا ستصل إلى 93 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي في العام المقبل. ورغم أن انكماش اقتصادات هذه المنطقة الذي بلغ خلال الأزمة الراهنة نحو 3.8 في المائة، أقل من حجم انكماش البلدان الغربية المتقدمة، إلا الأذى الاقتصادي عليها كان أكبر، وله تبعات مستقبلية أيضا. ففي تقرير حديث للبنك الدولي، جاءت تقديرات التراجع التراكمي للنشاط في المنطقة بحلول نهاية عام 2021 بنحو 227 مليار دولار. وبالطبع هذا التراجع يشكل أكبر ضغط على اقتصادات المنطقة المشار إليها منذ عقود، وسط التمنيات أن تأتي مرحلة التعافي سريعة ومستدامة.
ورغم ضغوط الديون الحكومية هذه، إلا أن مؤسسات مثل البنك وصندوق النقد الدوليين، والبنك المركزي الأوروبي، حتى منظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي، تواصل مطالبتها بضرورة مواصلة الإنفاق للوصول إلى الانتعاش المأمول، وللحفاظ على المكتسبات الاقتصادية، خصوصا في البلدان الناشئة ومنها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. المشكلة هنا ليست الآن، لكنها في المرحلة المقبلة، وتحديدا زمن ما بعد الجائحة. فدول المنطقة عليها عبء خدمة الدين العام بمستويات مرتفعة، في الوقت الذي يجب عليها أن توجد الموارد وتنمي تلك الموجودة بالفعل، من أجل مواصلة مسيرة التنمية فيها، علما أن نسبة كبيرة من هذه الدول، حققت بالفعل مستويات لا بأس بها على صعيد التنمية في العقدين الماضيين، وحصلت على تسهيلات دولية في هذا المجال.
هذا الأمر يطرح مسألة مهمة للغاية، تتعلق بضرورة التخفيف من تكاليف المديونية المرتفعة على دول المنطقة، عبر التسهيلات من الجهات الدائنة. ففي عز انفجار جائحة كورونا وافقت الدول الكبرى بالفعل على تجميد فوائد الديون الواجبة على الدول النامية والفقيرة، وطرحت برامج تسديد مريحة. وتصدرت السعودية المشهد في هذا المجال، ولا سيما أنها كانت ترأس الدورة السابقة لمجموعة العشرين التي أخذت زمام المبادرة الدولية منذ أكثر من عقد من الزمن. فالمشكلات التي تنجم عادة عن الديون تكون حادة في الدول الأقل تقدما. وعلى هذا الأساس، فإن مرحلة ما بعد الوباء ستكون حساسة جدا في المنطقة والعالم. فضغوط الديون سترفع في البلدان الفقيرة مستوى الفقر، وهناك من يتحدث عن حدوث اضطرابات اجتماعية وصراعات. ولا يمكن تفادي ذلك، إلا بتعاون دولي إنساني، يأخذ في الحسبان جائحة لم يتوقعها أحد.