واشنطن وبكين .. العلاقة الصعبة
"اللقاءات مع الصين ليست استراتيجية، وليست هناك نية لإجراء اتصالات أخرى مع بكين".
أنتوني بلينكن، وزير خارجية الولايات المتحدة.
هناك اعتقاد أن حربا باردة تجري بالفعل بين الولايات المتحدة والصين. وهذا صحيح إلى حد بعيد، إذا ما أخذنا في الحسبان موقف إدارة جو بايدن الرئيس الأمريكي حيال بكين، ويقترب من التطابق مع موقف الإدارة الأمريكية السابقة تجاه الصين. فبايدن لم يبد أي مرونة في مسائل عديدة تربط واشنطن ببكين، على عكس ما توقعه عدد من المسؤولين الصينيين في الأشهر القليلة التي سبقت وصول بايدن إلى البيت الأبيض. صحيح أن هناك فروقا كبيرة في السياسة الخارجية بين الإدارة الأمريكية الحالية والسابقة، إلا أن الصحيح أيضا، أن هناك تحفظات ومواقف متشددة من جانب الإدارة الراهنة تجاه الصين في عدد من الميادين المحورية، سواء تلك التي تختص بالسياسة أو الاقتصاد.
لم تهتم واشنطن بفتح حوارات سريعة مع الحكومة الصينية في أعقاب تنصيب بايدن. أرادت أن تعيد الحرارة أولا لعلاقاتها الاستراتيجية مع شركائها التقليديين في الغرب، بعد توتر ساد هذه العلاقات طوال الأعوام الأربعة التي حكم فيها دونالد ترمب الولايات المتحدة. والحق: إن الإدارة الأمريكية الحالية، ضمنت اتصالاتها مع الشركاء المشار إليهم، الموضوع الصيني، حيث يكون هناك تحالف بهذا الصدد، خصوصا أن العلاقات الصينية مع بقية الدول الغربية ليست على ما يرام، من نواح مختلفة تدخل فيها السياسة ومعها الاقتصاد أيضا. وهذا ليس غريبا على إدارة بايدن، حيث يؤمن الأخير بأهمية التحالفات على عكس سلفه تماما، الذي كان مقتنعا تماما بأهمية العلاقات أو التحالفات الثنائية المباشرة، فلم يكترث حتى للدول الحليفة التقليدية لبلاده.
في هذا الشهر جرى اللقاء الأمريكي - الصيني الأول، وهو اللقاء الذي كانت ترغب فيه بكين أكثر من واشنطن. لكن الولايات المتحدة صبت الماء البارد عليه حتى قبل أن يعقد، بتأكيدها أنه لن يكون بداية لسلسلة من اللقاءات في المستقبل القريب، وحاولت أن تبعث برسائل للجانب الصيني، إن هذا اللقاء لا يمكن توصيفه بالاستراتيجي. بمعنى آخر، فإن هذا الاجتماع الذي تم على مستوى وزراء خارجية البلدين، ليس أكثر من لقاء تعارف، في حين أن المشكلات العالقة بين الطرفين متعددة وليست بسيطة بأي شكل من الأشكال. وفي أعقاب هذا اللقاء، خرجت واشنطن حتى عن اللياقة الدبلوماسية بوصفها المسؤولين الصينيين بالغوغائية، لماذا؟ لأن هؤلاء - بحسب واشنطن - يقومون بالاستعراضات بدلا من النقاشات الجوهرية. وكان طبيعيا ألا يكون هناك إعلان مشترك بعد هذا الاجتماع.
لا توجد أرضية مشتركة بعد بين أكبر اقتصادين في العالم، ويبدو واضحا أن بناء هذه الأرضية لن يكون شرعيا وبالطبع ليس سهلا، رغم إعلان إدارة بايدن في أكثر من مناسبة، أنها تبحث بالفعل عن هذه الأرضية المشتركة. كل ما تم نقاشه في هذا الاجتماع، قضايا تقاطعت عندها مصالح الطرفين، مثل: كوريا الشمالية وإيران وأفغانستان، والتغير المناخي الذي يوليه بايدن أهمية كبيرة للغاية، ويعمل على تعاون كل الدول معه في هذا المجال. إلا أن القضايا الخلافية الأخرى والحساسة بقيت بلا نقاش أصلا، أو في أحسن الأحوال تم طرحها لكن النقاشات انحرفت عنها. في مقدمتها المعارك التجارية الجارية بين الجانبين، وإن هدأت قليلا بخروج ترمب من البيت الأبيض، والموقف الأمريكي المعارض لتصرفات الصين في هونج كونج، وكذلك مسألة تايوان التي تدافع واشنطن ببقاء هذا الإقليم ضمن الفضاء الدولي، إلى جانب القضايا التي تخص مسلمي الإيجور في الصين.
نقل عن مسؤولين أمريكيين قولهم، إن الترنيمة التي تسمع في البيت الأبيض في عهد بايدن، تقول، إنه ينبغي مواجهة الصين إذا كان ذلك ضروريا، والتعاون معها إن كان التعاون ممكنا. وهذا يعني أن واشنطن لا ترغب في الحوار من أجل الحوار مع بكين. فإذا لم تكن هناك تحولات جديدة ومحورية فلا داعي حتى للقاءات الثنائية على الأقل في هذه الفترة. من هنا يمكن فهم خيبة الأمل من جانب الحكومة الصينية حيال الإدارة الأمريكية الجديدة، بعد أربعة أعوام من التوتر في العلاقات في عهد دونالد ترمب. دون أن ننسى بالطبع، أن بقاء الحال على ما هو عليه، سيؤجج ما اتفق على تسميته بالحرب الباردة بين الطرفين في المرحلة المقبلة، بصرف النظر عن بعض التحفظات حيال هذا التوصيف.
مما لا شك فيه، أن المسألة معقدة جدا. فلا يمكن للرئيس الأمريكي أن يحصل على التعاون الصيني في مسائل مثل حقوق الإنسان في الصين، والتزام الأخيرة بحراك تجاري متوازن، والتصدر لقضية المناخ، واستقرار منطقة آسيا، وغير ذلك من القضايا التي تتقاطع مصالح بلاده فيها مع الصين، كيف له هذا التعاون في ظل انقطاع الحوار الجدي والاستراتيجي مع المسؤولين الصينيين؟ مع ضرورة الإشارة إلى أن ذلك يتناقض مع مبادئ بايدن نفسه، التي تستند إلى أهمية الحوار وبناء العلاقات المتوازنة مع كل الدول، فضلا عن إقامة تحالفات منتجة للاستقرار العالمي.