الديون ثقيلة في كل الأزمنة
"إذا كنت تظن أنه لا يوجد من يهتم بك، تخلف مرة عن سداد ديونك وسترى"
إيرل ويلسون، كاتب ومؤلف أمريكي راحل
لم يتوقف الدين العالمي عن النمو حتى في عز الازدهار الاقتصادي. أغلب الحكومات حول العالم تستدين لتنفق، أضف إلى ذلك ديون المؤسسات والشركات ولا سيما الكبرى منها، إلى جانب ديون الأفراد التي خلفت - كما نعرف - أكبر أزمة اقتصادية في عام 2008، وصفها آلان جرينسبان رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق، بأنها لا تحدث إلا كل 100 عام. وإذا كانت الديون العالمية ترتفع في أوقات الانفراج، فمن الطبيعي أن تصل إلى مستويات عالية جدا، في زمن الأزمات. ورغم أن الدين ليس حكرا على دول تعاني أزمات اقتصادية أو اضطرابات تنموية، إلا أنه يكون أكثر ثقلا عليها، إلى درجة أن بعض الدول واجهت بالفعل عجزا عن السداد، الأمر الذي ينقلها من بلد يواجه مصاعب اقتصادية، إلى دولة تستحق فرض الحماية الدولية عليها.
مع الأزمة الاقتصادية الناجمة عن تفشي وباء كورونا المستجد ارتفع الدين العالمي على كل الساحات. فالدول التي كانت محافظة على بقاء ديونها بعيدا عن مستوى ناتجها المحلي الإجمالي، تجاوزت في الأشهر القليلة الماضية هذا المستوى، خصوصا على ساحة الدول الغربية المتقدمة. فهذه الدول كانت تعاني أصلا ارتفاع حجم ديونها قبل الأزمة المشار إليها، بل كانت مستويات الديون لديها أعلى من ناتجها الإجمالي بالفعل، مثل اليونان التي بلغ مستوى دينها العام أكثر من 176 في المائة من حجم ناتجها، وإيطاليا 138 في المائة، والبرتغال 120 في المائة، وفرنسا 101 في المائة. وهذه من أعلى النسب في منطقة اليورو، التي سجلت مستويات دين بلغت 80 في المائة هذا العام، ومن المتوقع أن تشهد ارتفاعا جديدا قبل نهاية العام الجاري.
في المحصلة التي توصل إليها معهد التمويل العالمي الذي يضم في عضويته 400 مصرف ومؤسسة مالية في أنحاء العالم، سيبلغ حجم الدين العالمي 277 تريليون دولار، مع نهاية العام الجاري، وهذا الرقم هو الأعلى بالطبع في التاريخ، وذلك مع مواصلة الحكومات والشركات الإنفاق بسخاء - بحسب المعهد - في مواجهة الأزمة الاقتصادية التي خلفها وباء كورونا، ومع بداية العام الجاري حتى الآن تضخم الدين العالمي 15 تريليون دولار، حيث وصل في نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي إلى 272 تريليون دولار. واللافت أن الدول المتقدمة أسهمت بما يقرب من نصف هذه الزيادة الهائلة. ففي هذه الدول قفز إجمالي الدين 432 في المائة، من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث، والصين لم تكن أفضل كثيرا حيث سجلت ديونها 335 في المائة، في حين يتجه إجمالي الدين الأمريكي إلى 80 تريليون دولار في 2020، ارتفاعا من 71 تريليون دولار في 2019. ومن المتوقع أن تبلغ النسبة العالمية 365 في المائة للعام بأكمله.
هذه الأرقام وغيرها، تعززها بالفعل تطورات محورية مهمة جدا على الأرض، وذلك بعد أن خصصت مجموعة العشرين برئاسة السعودية أكثر من 11 تريليون دولار لمواجهة تداعيات أزمة الوباء، الاقتصادية والاجتماعية والصحية، بما في ذلك مساعدة الدول الفقيرة والأشد فقرا، على تخفيف أعباء ديونها، وتقديم العون لها في معركتها لاحتواء هذا الوباء المرعب. وفي الأشهر القليلة الماضية، أقدمت الحكومات حول العالم للاستدانة من أجل الإنفاق، بعد أن كلفها إغلاق اقتصاداتها لاحتواء كورونا كثيرا، إلى درجة أن خرجت شركات من السوق بفعل الخسائر المالية، بينما رصدت هذه الحكومات الأموال لإنقاذ مؤسسات لا يمكنها أن تضحي بها، فضلا عن خططها التي وضعتها لتسديد رواتب العاملين والموظفين في القطاعين الخاص والعام.
ورغم إقدام أغلب الحكومات حول العالم على إعادة فتح اقتصاداتها، إلا أنها أجبرت بعد ذلك للعودة للإغلاق مع انفجار موجة جديدة من كورونا صارت في بعض الدول أوسع من الأولى. من هنا، فإن ارتفاع الدين العالمي لا يشكل مفاجأة. فالاقتراض أصبح السمة السائدة على الساحة الاقتصادية الدولية حاليا في حين أن الحكومات الماضية قدما في مزيد من الاقتراض، يقوم بذلك بعيدا عن المنغصات السياسية المحلية المعتادة، لأن كل التيارات السياسية لم تجد بديلا آخر عن رفع مستوى الدين لمواجهة الأزمة بكل ميادينها. ولا توجد مؤشرات مبشرة في الواقع لتحسن أداء الاقتصاد العالمي. فهذا الأخير دخل في ركود وصف بأنه الأعمق منذ أكثر من 80 عاما، والأمل الآن ألا يتحول هذا الركود إلى كساد ستكون السيطرة عليه صعبة للغاية، فضلا عن أنه سيحتل مساحة زمنية أطول.
لا شك أن نجاح اللقاح المتوقع لكورونا سيسهم في تخفيف مستوى الركود الاقتصادي، لأن الحكومات ستتحرك لإعادة عجلة العمل في كل القطاعات، بعيدا عن المخاوف الصحية. لكن الأمر يحتاج إلى وقت أطول مما هو مأمول، ما يضع التعافي على مسافة بعيدة من الساحة الاقتصادية. حتى يتم هذا التعافي، ستواصل الدول الاقتراض، وكذلك المؤسسات والشركات المختلفة من أجل الاستمرار في الزمن الصعب.