قفزة في المدفوعات العابرة للحدود «2 من 2»
تتسم خريطة طريق مجموعة العشرين بمرونة تتلاءم مع هذه الاحتياجات المتنوعة، وينطوي بعض الحلول على تحسينات في النظم القائمة، مثل ابتكار الهويات الرقمية الموثوقة الضرورية لتحقيق الشمول المالي، وثمة حلول أخرى أكثر اتساما بالطابع الاستكشافي وتتطلع إلى عالم يمكننا فيه تداول العملات الرقمية بحرية عبر الحدود، مثلما نبعث الرسائل عبر البريد الإلكتروني اليوم. ومن الضروري أن يستمر العمل في جميع هذه الحلول، ومناقشتها، واختبارها، ورفض بعضها بعقل متفتح.
ثانيا، التعاون ضروري للتغلب على ظاهرة الانحياز للسكون التي تميل إليها الدول وضمان أن تكون الحلول قابلة للتطبيق على نطاق واسع. ومن الأمثلة البسيطة في هذا الصدد، ساعات عمل نظم التسوية في الدول المختلفة، فالمعاملات العابرة للحدود لا يمكن تسويتها في الوقت الحقيقي إلا إذا قامت دول بمد ساعات العمل حتى تصبح متداخلة بين الطرفين. وما من بلد يود أن يعمل منفردا، حتى في هذه الحالة، لا بد أن يتفاعل النظامان معا. غير أن إمكانية التوافق التشغيلي ليست متاحة. فهي تتطلب معايير أساسية تكنولوجية وتصميمية وقانونية وتنظيمية. وسيضمن التعاون أن تلبي هذه المعايير احتياجات مجتمع كبير من المستخدمين، وهو ما يمكن للصندوق أن يساعد على حشده.
ثالثا، التعاون عامل أساس لبناء الحلول التي تستفيد من تجربة ومنظور كل الأطراف الفاعلة ذات الصلة، كالبنوك المركزية، والأجهزة التنظيمية، ووزارات المالية، وهيئات مكافحة الاحتكار، والجهات المعنية بحماية البيانات، والمنظمات الدولية. وقد كان تقرير مجلس الاستقرار المالي نموذجيا في هذا الصدد. إضافة إلى ذلك يجب أن يتعاون القطاعان العام والخاص، مع إدراك نقاط القوة في كل منهما، فالشركات الخاصة تبتكر وتتفاعل مع مستخدمي النظام، والقطاع العام ينظم ويراقب وفي نهاية المطاف يحقق الثقة في النظام. وحيثما أمكن، ينبغي استكشاف ما يمكن من حلول يشترك فيها القطاعان العام والخاص.
أخيرا: يعني التعاون إدراك الآثار الاقتصادية الكلية / المالية، التي قد تتركها سياسات كل بلد على الدول الأخرى. فعلى سبيل المثال، من شأن أشكال النقود الرقمية الجديدة الصادرة بعملات الاحتياطي الرئيسة أن تحسن المدفوعات على المستويين المحلي والعابر للحدود. لكن من شأنها أيضا أن تدفع المواطنين في الخارج إلى التخلي عن عملتهم المحلية، خاصة في الدول التي تتسم بمعدلات تضخم مرتفعة وأسعار صرف متقلبة. وقد تؤدي النقود الرقمية إلى تيسير موجات السحب الجماعي للودائع المصرفية في هذه الدول، وفي الوقت نفسه، يمكن لدول المصدر أن تشهد مزيدا من التقلب في تدفقات رؤوس الأموال الداخلة والميزانيات العمومية للبنوك المركزية. كما أنه ليس من الواضح ما إذا كان من الممكن إعادة تصميم قيود الحساب الرأسمالي، التي يطبقها عديد من الدول، حيث يتعذر الالتفاف عليها من خلال النقود الرقمية. وأخيرا، يمكن لاستخدام النقود الرقمية أن ينشئ مخاطر كبيرة على النزاهة المالية. وتتضمن دراستنا الجديدة هذه السيناريوهات وغيرها بالتفصيل.
وبشأن الروابط العالمية، فإن السياسة النقدية، والاستقرار المالي، وتدفقات رؤوس الأموال، والاحتياطيات الدولية، كلها يمكن أن تتأثر بالتحولات التي تشهدها نظم الدفع عبر الحدود، مع ما يصاحب ذلك من انعكاسات على النظم النقدية الدولية. وقد فهم الأعضاء المؤسسون للصندوق هذه الرابطة، فكانت من العوامل التي شكلت رؤيتهم لضرورة المساعدة على إنشاء نظام مدفوعات متعدد الأطراف، حسب أحد أهداف الصندوق المنصوص عليها في اتفاقية تأسيسه.
واليوم، يواصل الصندوق القيام بدور نشط في هذا المجال بالتضامن مع المنظمات الدولية الأخرى، ومن الممكن أن تساعد عضويتنا الشاملة لكل دول العالم تقريبا على ضمان استفادة المواطنين في كل الدول من ثمار الثورة الرقمية. كذلك يمكن أن يساعد منظورنا العالمي على إدراك التداعيات، وإتاحة منبر مشترك لمعالجة ما ينطوي عليه ذلك من إشكاليات على مستوى السياسات. فلنتعاون معا في التقدم على هذا المسار الواعد.