رأسمالية ما بعد الجائحة «2 من 2»
يتعين علينا أولا أن نعيد النظر فيما نعنيه بمصطلح "رأس المال" في تجلياته العديدة، سواء كانت المالية، أو البيئية، أو الاجتماعية، أو الإنسانية. لا يرغب المستهلكون اليوم في سلع وخدمات أكثر وأفضل مقابل سعر معقول، بل يتوقعون على نحو متزايد أن تسهم الشركات في الرفاهية الاجتماعية والمصلحة العامة. وبالتالي فقد نشأ احتياج أساسي وطلب متزايد الانتشار على نوع جديد من الرأسمالية.
لإعادة النظر في الرأسمالية يجب أن نعيد النظر في الدور الذي تلعبه الشركات. كان رجل الاقتصاد الحائز جائزة نوبل ميلتون فريدمان، بوصفه من أوائل أنصار النيوليبرالية، يعتقد "اقتباسا من الرئيس الأمريكي الأسبق كالفين كوليدج" أن "مهمة شركات الأعمال هي مزاولة الأعمال". لكن عندما حمل فريدمان لواء ريادة مبدأ أولوية المساهمين، فإنه لم يضع في الحسبان أن الشركة المتداولة للاكتتاب العام قد لا تكون مجرد كيان تجاري بل تعد أيضا كائنا اجتماعيا.
علاوة على ذلك، أظهرت أزمة كوفيد - 19 أن الشركات التي استثمرت في تعزيز نشاطها للأمد البعيد كانت أفضل استعدادا لتحمل العاصفة. الواقع أن الجائحة عملت على التعجيل بالتحول نحو نموذج أصحاب المصلحة في رأسمالية الشركات، في أعقاب تبني مائدة الأعمال المستديرة في الولايات المتحدة هذا المفهوم العام الماضي.
لكن كي تستمر ممارسات الأعمال الأكثر وعيا على المستويين الاجتماعي والبيئي، تحتاج الشركات إلى مبادئ توجيهية أكثر وضوحا. ولتلبية هذا الاحتياج عمل مجلس الأعمال الدولي التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي على تطوير مجموعة من "مقاييس رأسمالية أصحاب المصلحة"، حتى يتسنى للشركات التوصل إلى اتفاق عندما يتعلق الأمر بتقييم القيمة والمخاطر.
إذا كانت أزمة كوفيد - 19 أظهرت لنا أي شيء، فهو أن الحكومات، أو الشركات، أو مجموعات المجتمع المدني التي تعمل بمفردها لا تستطيع التصدي للتحديات العالمية الجهازية. ونحن في احتياج إلى تفكيك الصوامع التي تفصل بين هذه المجالات، والبدء في بناء منصات مؤسسية للتعاون بين القطاعين العام والخاص. على القدر ذاته من الأهمية، يجب إشراك الأجيال الأكثر شبابا في هذه العملية، لأنها تتعلق بطبيعتها بالمستقبل بعيد الأمد.
أخيرا، يجب أن نعمل على توسيع جهودنا للتعرف على تنوع الخلفيات والآراء والقيم بين المواطنين على مختلف المستويات. فلكل منا هوياته الفردية، لكننا ننتمي جميعا إلى مجتمعات محلية، ومهنية، ووطنية، بل حتى عالمية، ذات اهتمامات مشتركة ومصائر متشابكة.
ينبغي لعملية إعادة الضبط الكبرى أن تسعى إلى إعطاء صوت لأولئك الذين تخلفوا عن الركب، حتى يتسنى لكل راغب في المشاركة في تشكيل المستقبل القيام بذلك. إن إعادة الضبط التي نحتاج إليها ليست ثورة أو تحولا نحو أيديولوجية جديدة. بدلا من ذلك ينبغي لنا أن ننظر إليها على أنها خطوة عملية نحو عالم أكثر مرونة وتماسكا واستدامة. وسنحتاج إلى استبدال بعض ركائز النظام العالمي، وإصلاح أو تعزيز بعضها الآخر. لتحقيق التقدم المشترك والازدهار والصحة، لا نحتاج إلى ما هو أكثر أو أقل من هذا.
خاص بـ «الاقتصادية»
بروجيكت سنديكيت، 2020.