شركات سعودية تتلقى طلبات أولية من بنوك عالمية للنظر في خيارات التمويل الأخضر
علمت "الاقتصادية" من مصادر مصرفية، أن بنوكا عالمية فاتحت عدد من الشركات السعودية للنظر في الخيارات التمويلية لما يعرف بـ"التمويل الأخضر"، في حين تنوي مؤسسات، تتخذ من السعودية مركزا إقليميا لها، إصدار أدوات دين من سندات وصكوك خضراء أو الاستعانة بالقروض الخضراء خلال الفترة القليلة المقبلة.
والتجهيز لمثل هذه الإصدارات يتطلب وقتا أطول نظرا لأهمية الامتثال لمتطلبات دولية خاصة، مثل التأكد من أن التمويل متوافق مع قواعد التمويل الأخضر، وأن متحصلات الإصدار أو القرض سيتم استخدامها في مشاريع صديقة للبيئة.
تأتي هذه الخطوة بعد حصول حكومة السعودية على تمويل أخضر دولي هذا العام، متبوعا بالصكوك الخضراء من إحدى الشركات المدرجة في السوق المحلية، فضلا عن قيام إحدى الشركات السعودية الكبرى بإصدار أول سندات فورموسا من جهة سعودية، في مؤشر على علو كعب جهات الإصدار السعودية التي نجحت في تنويع قاعدة المستثمرين الخاصة بها.
وبذلك نجحت الحكومة السعودية في تشجيع القطاعين العام والخاص على تبني طرق تمويل مشابهة للتمويل الأخضر، الأمر الذي يسهم في جذب السيولة الأجنبية بما يخدم رؤية المملكة 2030.
وعلمت "الاقتصادية" من مصادر مطلعة على أسواق الدخل الثابت، أن الشركات الخليجية لديها مساران لإصدار الصكوك الخضراء أو الحصول على القروض الخضراء، الأول وهو الأسهل حيث يكمن في تطوير الأنظمة الخاصة الداخلية للشركة، التي تعنى بالامتثال لتشريعات التمويل الأخضر كشرط أساسي للحصول على التمويل من المستثمرين، وذلك عبر الاسترشاد بالأنظمة الأوروبية، الرائدة في هذا المجال، ومن ثم الاستدانة الدولارية.
أما الخيار الآخر - وفقا للمصادر - فيكمن في انتظار التشريعات المحلية الخاصة بعمليات التمويل الخضراء والمستدامة من الجهات التنظيمية المحلية ومن ثم إصدار أدوات دين أو الحصول على قروض بنكية بالعملات المحلية ترتكز على تلك التشريعات.
وبحسب رصد وحدة التقارير الاقتصادية في الصحيفة، تميل جهات الإصدار الخليجية لتبني الخيار الأول وفقا للإصدارات التي تم إغلاقها خلال الفترة الماضية. في حين تتجنب تلك الشركات الخيار الثاني نظرا لتوقعاتهم بأن الجهات التنظيمية الخليجية، ستستغرق وقتا أطول لتبني التشريعات التنظيمية للتمويل الأخضر، وفقا للمصادر.
وأظهر الرصد أن إجمالي إصدارات أدوات الدين الخليجية "القائمة"، من جهات سيادية وأخرى من القطاع الخاص، بلغ بنهاية النصف الأول من هذا العام نحو 452 مليار دولار، مشكلا 11 في المائة من ديون الأسواق الناشئة.
ويقصد بأدوات الدخل الثابت القائمة، إصدارات السندات والصكوك التي تمت في الأعوام الماضية ولم يحن أجل إطفائها.
في المقابل، عززت أدوات الدين الخليجية "الجديدة" حضورها في محافظ مستثمري الأسواق الناشئة لهذا العام مقارنة بالعام الماضي، حيث إن الإصدارات السيادية "الجديدة" من حكومات الخليج في أول ستة أشهر من 2020، شكلت 25 في المائة من إجمالي ما تم إصداره من حكومات الأسواق الناشئة البالغة 141.6 مليار دولار، وذلك بقيمة وصلت إلى 35.2 مليار دولار.
ويعني هذا أن أدوات الدين السيادية لمنطقة الخليج جزء لا يتجزأ من مؤشرات قياس أداء السندات الدولية ومحافظ شركات إدارة الأصول العالمية، الذي يظهر أثره بشكل إيجابي في التسعير وزيادة حجم إقبال المستثمرين الأجانب على مثل هذه الإصدارات.
وارتكزت إحصائية النصف الأول من هذا العام على الدراسة البحثية الصادرة عن إدارة الدخل الثابت لبنك أبوظبي الأول. بينما استندت البيانات إلى ما تم إصداره من أدوات دين، بغض النظر عن نوع العملة التي تم إغلاق الإصدار الأصلي بها.
الاستدامة البيئية
اعتمدت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في عام 2015 أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، التي تعرف أيضا باسم الأهداف العالمية، باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030.
أهداف التنمية المستدامة الـ17 متكاملة، أي أنها تدرك أن العمل في مجال ما سيؤثر في النتائج في مجالات أخرى، وأن التنمية يجب أن توازن بين الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
ويتوافق التمويل الأخضر للحكومة السعودية هذا العام مع تحقيق الاستدامة البيئية، وفي الوقت نفسه يسهم في استقطاب التمويلات القادمة من القطاع الخاص الذي جاء هذه المرة من الجهات الدولية.
ودعت وثيقة "رؤية 2030" إلى مراعاة البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة، حيث أشارت إلى أن مسألة الحفاظ "على بيئتنا ومقدراتنا الطبيعية من واجبنا دينيا وأخلاقيا وإنسانيا، ومن مسؤولياتنا تجاه الأجيال القادمة، ومن المقومات الأساسية لجودة حياتنا"، لذلك، ستعمل السعودية على الحد من التلوث برفع كفاءة إدارة المخلفات والحد من التلوث بمختلف أنواعه، كما ستقاوم ظاهرة التصحر، وستعمل على الاستثمار الأمثل للثروة المائية عبر الترشيد واستخدام المياه المعالجة والمتجددة، وستؤسس لمشروع متكامل لإعادة تدوير النفايات، وستعمل على حماية الشواطئ والمحميات والجزر وتهيئتها، بما يمكن الجميع من الاستمتاع بها، وذلك من خلال مشاريع تمولها الصناديق الحكومية والقطاع الخاص.
التمويل الأخضر يصل الشرق الأوسط
باعت مصر في الأيام الماضية سندات خضراء لأجل خمسة أعوام، في أول إصدار من نوعه لمثل هذه السندات من إحدى حكومات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وقال مصدر مطلع على العملية لـ"رويترز"، "يرفعون علم التزامهم بالاستدامة. العرض التوضيحي للمستثمرين حضره عديدون يتواصلون مع مصر للمرة الأولى، تلقينا مكالمات من محللي الاستدامة ومستثمريها العالميين".
وأوضح المصدر أن الهدف هو تنويع قاعدة المستثمرين ونشر الوعي بالتقدم الذي تحرزه مصر على صعيد الاستدامة.
تستخدم حصيلة إصدار الدين لتمويل مشاريع خضراء أو إعادة تمويلها في قطاعات مثل النقل والطاقة المتجددة وكفاءة استهلاك الطاقة. تضمن العرض التوضيحي التزامات مصر تجاه استراتيجية مستدامة مثل ترشيد استهلاك المياه وحماية السواحل والاستثمار في الطاقة المتجددة.
زادت إصدارات السندات الخضراء بقوة في 2020، حيث انضمت ألمانيا إلى غيرها من البلدان الأوروبية بأول إصدار سندات خضراء لها في وقت سابق من هذا العام.
وأصدر عدد من الشركات الأوروبية المقترضة أدوات دين متصلة بأهداف الاستدامة، الكثير منها للمرة الأولى، ومن بينها دور أزياء مثل شانيل وبوربري.
التحول نحو الاقتصاد الأخضر
بعد اتفاقية باريس لمكافحة التغير المناخي في 2015، أعلنت دول الخليج برامجها الداعمة لتقنين اعتمادها على النفط ودعم الطاقة المتجددة. وأدت تلك التطورات إلى ظهور قطاع مالي جديد في المنطقة خلال العامين الماضيين يعنى بدعم التمويل المستدام الذي تدعو مبادئه المعنية بمراعاة البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة. وأسهمت أهداف التنمية المستدامة (الصادرة عن الأمم المتحدة) واتفاقية باريس في تحفيز دول العالم للتحول نحو تعزيز الاستثمارات بالاقتصاد الأخضر. وتم خلال الأعوام الخمسة الماضية زيادة الوعي البيئي للمستثمرين والمصدرين والمقترضين، وذلك بعد أن تم دمج التمويل المستدام في القطاع المالي عبر هيكلة عديد من المنتجات الاستثمارية الجديدة الصديقة للبيئة.
جهود السعودية في مواجهة التغير المناخي
يذكر أن حكومة المملكة قد أعلنت أواخر 2016 اكتمال إجراءات المصادقة على اتفاقية باريس، وهو ما يشهد على التزام السعودية الراسخ بدورها في مواجهة التطورات الجارية على التغير المناخي، مع تأكيدها في الوقت نفسه أن زيادة الاستثمار للحد من الآثار البيئية الناجمة عن إنتاج الوقود الأحفوري واستهلاكه يعد ضروريا جدا لتحقيق الأهداف البيئية التي تم الاتفاق عليها في مؤتمر باريس، وأنها لا تزال ملتزمة بتلبية احتياجات العالم من الطاقة عبر التحول التدريجي نحو مستقبل بيئي أكثر استدامة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا التحول التدريجي يجب أن يظل مجديا من الناحية الاقتصادية، ومستداما من الناحية البيئية في الوقت نفسه.
التنمية المستدامة و«رؤية 2030»
في 2017 جددت المملكة تأكيدها أنها ستظل ملتزمة بالهدف المحدد لها عبر اتخاذ الإجراءات المناخية التي تتماشى مع أهداف التنمية المستدامة في إطار رؤية المملكة 2030 التي ستؤدي إلى زيادة الاستثمار في مجال الطاقة المتجددة.
وتسعى السعودية إلى وقف اعتمادها على النفط في إطار رؤيتها للإصلاح الاقتصادي. وتسهم السعودية في خفض الانبعاثات التي تعكس التزامها بالتطوير والتوظيف التجاري لتقنيات منخفضة الانبعاثات، حيث تهدف السعودية إلى الاعتماد بدرجة أكبر على تكنولوجيا الطاقة الشمسية والوقود الأكثر نظافة.
واستثمرت السعودية ما قيمته 500 مليون دولار في قدرات الطاقة المتجددة في 2019 لتحقق بذلك نموا قدره 53 في المائة على أساس سنوي، وفقا لأهم تقرير سنوي للأمم المتحدة عن الطاقة المتجددة.
وجاءت السعودية في الموقع الرابع بين دول منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، الذي شغلت مركزه الأول الإمارات نتيجة استثمارها 4.5 مليار دولار في الطاقة المتجددة في 2019، الذي يعد أكبر تمويل عالمي لمشروع للطاقة الشمسية بزيادة 1223 في المائة عن العام السابق.
اتفاقية المناخ
تستهدف اتفاقية باريس للمناخ الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى ما يقل كثيرا عن درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الحقبة الصناعية ليصل إلى 1.5 درجة كمستوى مثالي. ووضع لكل دولة هدف تعمل على تحقيقه حتى يمكن الوصول إلى الهدف العالمي بشأن المناخ. وتقول الأمم المتحدة إن العالم ربما يشهد ارتفاعا لدرجة حرارة الأرض بنحو ثلاث درجات بحلول عام 2100.
يذكر أن الأمم المتحدة قد شددت، خلال قمة "تغير المناخ" التي تمت إقامتها في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، على أهمية تعزيز اتفاقية باريس لعام 2015، التي تدخل مرحلة حاسمة من التنفيذ هذا العام، للحد من الاحتباس الحراري، وذلك على خلفية تأثيرات واضحة بشكل متزايد لارتفاع درجة الحرارة على مدى العام الماضي، حيث استعرت حرائق الغابات من القطب الشمالي إلى الأمازون وصولا إلى أستراليا، بينما ضربت أعاصير مدمرة مناطق استوائية.
القرض الأخضر
حصلت السعودية أواخر تموز (يوليو) على قرض أخضر مدعوم من وكالة ائتمان الصادرات بقيمة 258 مليون دولار وذلك بغرض توريد حافلات ألمانية الصنع. تجدر الإشارة إلى أن القرض مدعوم من قبل وكالة ائتمان الصادرات الرسمية في ألمانيا.
وقالت عدة مصادر أن القرض جاء أقل من التكلفة التقليدية المعتادة مع القروض الدولارية التي اعتادت المملكة على دفعها في السابق، في خطوة إيجابية لمصلحة الخزانة العامة.
معلوم أن القرض الأخضر للسعودية قد تمت هيكلته بطريقة متقدمة حيث يحظى بخاصية كونه مدعوما من وكالة ائتمان الصادرات الرسمية في ألمانيا، التي تقدم هذه الخدمة المالية للجهات الدولية الراغبة في الحصول على المنتجات الألمانية الصنع.
ويحظى الطرف الألماني بأعلى درجة تصنيف ائتمانية وهي (AAA)، حيث كلما ارتفعت درجة التصنيف الائتماني انخفضت تكلفة الاستدانة. ويبعد تصنيف الطرف الألماني عن تصنيف السعودية الائتماني أربع درجات ائتمانية. من المعلوم أن المملكة حاصلة على تصنيف (A1) وهذا التصنيف يعد خامس أعلى تصنيف من بين درجات التصنيف التي يصل تعدادها إلى 24 درجة.
وكانت وزارة المالية قد ذكرت في بيان لها أن التمويل يعد أول عملية تمويل عبر وكالات ائتمان الصادرات بشكل عام، وأول تمويل مع وكالة ائتمان الصادرات الألمانية تبرمها الوزارة مع بنكين عالميين بالدولار الأمريكي لتوريد حافلات ألمانية الصنع.
ويعمل المركز الوطني لإدارة الدين حاليا على تمكين المشاريع الحكومية الاستراتيجية الكبرى في شتى القطاعات من خلال تأمين التمويل اللازم لها بما يخدم رؤية المملكة 2030.
التخطيط المبكر
يذكر أن التخطيط لقرض ائتمان الصادرات (الممزوج بالمعايير الخضراء) بدأ من 2018 واستغرق ثلاثة أعوام لتحقيقه بسبب الحاجة إلى بناء القدرات وكمية المتطلبات الضرورية التي تأتي مع أول تمويل نادر من هذا النوع في السعودية والمنطقة. وتم أثناء تلك الفترة تدشين شعبة "التمويل البديل" ضمن المركز الوطني لإدارة الدين، التي تعنى بدعم برامج القطاع الخاص وتأمين برامج التمويل المدعومة من وكالات ائتمان الصادرات.
وفي أيار (مايو) 2019 صرح "المركز الوطني لإدارة الدين" في مقابلة مع "رويترز" بأنه لا يزال يدرس جمع تمويل مدعوم من وكالات ائتمان صادرات أجنبية، التي تقدم ضمانات قروض، وتقوم في بعض الأحيان بالتمويل لتشجيع التجارة وخفض نفقات أنشطة الأعمال الدولية.
وأشار المركز في حينه إلى أنهم بدأوا بالاهتمام بمصطلحات ومفردات تخصصية لنموذج تمويل وكالات ائتمان الصادرات، مبينا أنهم يحاولون مطابقة المشروع الصحيح مع التمويل الصحيح الذي ستتم الاستفادة منه.
تعزيز القدرات
ظهرت أولى الإشارات حول اهتمام قيادة المركز الوطني لإدارة الدين، في وزارة المالية، بمصادر التمويل الجديدة أواخر الربع الرابع من 2018. حيث أعلن المركز في تشرين الثاني (نوفمبر) 2018 تعيين "هيروفومي ساكيوكا" مستشارا مؤقتا لدى المركز.
وقبل المركز، كان هيروفومي يشغل منصب نائب رئيس قسم وكالات ائتمان التصدير لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في بنك "إم يو إف جي"، فرع لندن. وأكدت الوزارة، عبر بيانها في حينه، عزمها على استقطاب الخبرات المالية على مستوى العالم والاستفادة منها، في إطار العلاقة الاستراتيجية للمركز مع شركائها العالميين.
وأضافت، أن هذا التعيين يعكس روابط المملكة القوية بشركائها الماليين، ويؤكد هدفها نحو زيادة تعزيز الكوادر واستراتيجيات المركز لتنويع مصادر التمويل. وقالت مصادر لـ"رويترز" في أوائل 2019، أن الهدف من تعيين هيروفومي كان "لتنسيق متطلبات تمويل مدعوم من وكالات ائتمان الصادرات لمختلف الوزارات" في السعودية، وذلك لما يحمله من خبرات متراكمة في هذا المجال الدقيق.
متحصلات القرض المزدوج
ذكر بيان منفصل لأحد البنوك الدولية التي رتبت الإصدار أنه سيتم استخدام عوائد القرض الذي يعد أول قرض أخضر في السعودية مدعوم من وكالة ائتمان الصادرات لشراء حافلات ركاب (باص) من ألمانيا لدعم شبكة المواصلات العامة في المملكة.
وستسهم حافلات الركاب هذه في تخفيف انبعاثات الغازات الضارة والتلوث البيئي إضافة إلى تخفيف الازدحام المروري في مدينة الرياض من خلال التحول باتجاه استخدام شبكة المواصلات العامة في المملكة.
في حين أشار بيان وزارة المالية أنها - ممثلة في المركز الوطني لإدارة الدين - قد أنهت بنجاح عملية تمويل شراء 842 حافلة لمصلحة مشروع الملك عبدالعزيز للنقل العام (حافلات الرياض) في الهيئة الملكية لمدينة الرياض، وذلك بتمويل يقارب مليار ريال سعودي.
هيكلة تمويلية رائدة دوليا
خلص مسح أجرته "الاقتصادية" في وقت سابق إلى أن السعودية قد أصبحت أول جهة إصدار سيادية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحصل قرض ممزوج بهيكلة تمويلية رائدة دوليا تجمع بين مبادئ التمويل الخضراء المدعومة من وكالة ائتمان الصادرات، وذلك في إطار استراتيجيتها لتوسيع مصادر التمويل وتكاليفها وزيادة قاعدة المستثمرين لها.
ورغم توافر مصادر تمويل سريعة ويسيرة إلا أن السعودية اختارت مزيج نادر من القروض يعزز مبادئ "التمويل المستدام الصديق للبيئة".
وأظهر مسح وحدة التقارير الاقتصادية في الصحيفة، ندرة هذا النوع من القروض عالميا نظرا لحداثة مبادئ التمويل المستدام الصديق للبيئة، تم تشريعها في 2018، وكذلك لندرة أعداد وكالات ائتمان الصادرات التي تتبنى داخليا "مبادئ القروض الخضراء" المعروفة عالميا باسم (Green Loan Principles).
أما على صعيد الشركات، فقد وجد مسح وحدة التقارير الاقتصادية، أن هناك عددا محدودا جدا من الشركات الدولية التي تكون قروضها، مدعومة من وكالات ائتمان الصادرات، ممزوجة بخاصية الامتثال لمبادئ القروض الخضراء أو حتى حصولها على تصنيف من جهة حيادية يؤكد فيه امتثال القرض إلى المبادئ البيئية والاجتماعية والحوكمة.
فعلى سبيل المثال، حصلت مجموعة (HIDRALPOR) الكولومبية أواخر 2018 على قرض صغير بعملة اليورو مدعوم من وكالت ائتمان الصادرات الإسبانية. واستخدمت المجموعة الكولومبية متحصلات القرض في استثمارات "رفيقة بالبيئة" تعنى بمشروع لها خاص بالطاقة الكهرومائية.
وليست هذه المرة الأولى التي تبرهن السعودية علو كعبها بين دول الأسواق الناشئة. فبخلاف كون إصداراتها الدولية يتم إغلاقها بزمن قياسي - خلال ساعات محدودة في اليوم نفسه من الإعلان عن الطرح - في آخر عامين، فإنها هذه المرة قد فاجأت الأسواق المتقدمة ونظيرتها الصاعدة بقرض دولي نادر، على صعيد الجهات السيادية، يجمع بين خاصيتين وهما الامتثال لمبادئ التمويل الخضراء وفي الوقت ذاته مدعوم من وكالة لائتمان الصادرات، وذلك بغض النظر عن صغر حجمه نظرا لمتطلبات الامتثال وتعدد الجهات الدولية والمحلية التي لها علاقة بالقرض المزدوج.
ووجد المسح أن التمويل الأخضر يعزز دور السعودية الريادي في قيادة دول المنطقة لتنويع مصادر التمويل في المنطقة ويقلل اعتمادها على أسواق الدين الدولية والمحلية (ولو بشكل طفيف). ويأتي التمويل في وقت قال فيه مراقبون إن دول المنطقة ليست متحمسة بشدة نحو مصادر التمويل الخضراء.
شراكة دولية للسعودية
في أواخر شباط (فبراير) الماضي وقعت وزارة المالية مذكرة تفاهم مع الشركة الكورية للتأمين التجاري "K-SURE". يأتي توقيع المذكرة لتعزيز الشراكة الثنائية والتعاون ومناقشة الفرص التجارية المحتملة بين البلدين، من خلال تبادل الخبرات التجارية والتعاون بالطرق الممكنة، بما يسهم في تمويل السلع والخدمات المستوردة من كوريا الجنوبية من قبل الشركة الكورية للتأمين التجاري، وتوفير حد ائتماني للشراكة الاستراتيجية من الشركة لتمويل المشاريع الحكومية في المملكة ذات المحتوى الكوري.
أما أحدث الاتفاقيات فكانت في أوائل نيسان (أبريل) 2020 وذلك عندما أبرمت وزارة المالية مذكرة تفاهم مع وكالة ائتمان الصادرات الفرنسية.
يأتي توقيع مذكرة التفاهم في إطار تعزيز التعاون والشراكة الثنائية ومناقشة الفرص التجارية المحتملة التي ستعود بالنفع على البلدين الصديقين. وتشمل المذكرة عددا من الأنشطة التعاونية، منها تغطية تأمين الصادرات وضمان لتغطية تمويل المشاريع الاستراتيجية، وتقديم الدعم لتأمين تمويل عدد من المشاريع الحكومية في المملكة.
الاستثمار الإيطالي
في شباط (فبراير) 2020، وقعت وزارة المالية مذكرة تفاهم مع وكالة ائتمان الصادرات الإيطالية "ساتشي". وقالت الوزارة في بيان لها، إن توقيع المذكرة يأتي في إطار تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين، والاستفادة من سبل التمويل الأمثل للمشاريع الحكومية تماشيا مع برامج رؤية المملكة 2030. وبموجب المذكرة تعتزم وكالة "ساتشي" بالتنسيق مع المركز الوطني لإدارة الدين توفير سبل لتمويل المشاريع الحكومية وتقديم التدريب والمساعدة التقنية المصممة خصيصا للتمويل عبر وكالات ائتمان الصادرات والمؤسسات المالية، كما تعمل الوكالة على تعزيز وجودها في المملكة من خلال تمويل مشاريع الشركات الإيطالية، والاستمرار في تبادل أفضل الممارسات في مجال تمويل ائتمان الصادرات والتأمين الائتماني.
وبينت أن الطرفين أبدي رغبتهما في تكوين قاعدة مشتركة لغرض استكشاف وتعزيز التجارة والتعاون الاقتصادي بين البلدين الصديقين. وذكر البيان حينها أن وكالة ائتمان الصادرات الإيطالية تعمل على فتح مكتب تمثيلي لها في مدينة الرياض؛ من أجل ضمان وجود قناة اتصال مستقرة بين الشركات والبنوك الإيطالية والسعودية.
وفي أوائل 2018، خرج الرئيس التنفيذي لوكالة ائتمان الصادرات الإيطالية (ساتشي) بتصريح مع "رويترز" أشار فيه إلى أن الوكالة تعتزم دعم قروض بقيمة 1.6 مليار دولار للسعودية على مدى عام 2019 و2020.
وقال أليساندرو ديتشو الرئيس التنفيذي لـ"ساتشي"، "هياكل وكالات ائتمان الصادرات يمكن أن تكون في ظروف كثيرة الهيكل الذي يمنح دخولا إلى آجال طويلة وشروط مواتية، بجانب أنها تتسم بميزة غياب التقلب المعتاد في طبيعة أسواق رأس المال". وأشار إلى أن هذا الوعي يتعزز في هذه المنطقة. وليس مفاجئا، بحسب قوله، أن تسعى دولة مهمة مثل السعودية على سبيل المثال إلى ترتيب خطة لتمويل من وكالة ائتمان صادرات.
وفي الإمارات، تخطط "ساتشي" لتقديم ائتمان بقيمة تتجاوز مليار دولار لدعم مشاريع تمت ترسيتها على شركات إيطالية.
وفتحت "ساتشي"، المملوكة بالكامل لمجموعة سي. دي. بي في إيطاليا، مكتبها في دبي في عام 2016 مركزا لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومنذ ذلك الحين، زاد انكشاف الوكالة على المنطقة إلى 12 مليار يورو من 4.4 مليار.
استراتيجية تنويع مصادر التمويل
وفقا للمبادئ التوجيهية للتمويل خلال 2020، التي رسمها المركز الوطني لإدارة الدين له، فإن إحدى استراتيجيات الاقتراض الخارجي ستتمحور حول ما يعرف بـ"التمويل الحكومي البديل" ويشمل التمويل من خلال وكالات التصدير الائتماني وتمويل المشاريع ومشاريع البنية التحتية بعملة محلية أو أجنبية.
وتشير تلك الوثيقة، التي اطلعت "الاقتصادية" عليها، إلى استمرارية المركز بالبحث في أسواق ومنهجيات تمويل جديدة. ويسهم تنويع محفظة الاستدانة السيادية لتشمل القروض البنكية المدعومة بوكالات ائتمان الصادرات في تقليل اعتماد السعودية، ولو بشكل طفيف، على أسواق الدين المحلية والدولية.
وحدة التقارير الاقتصادية