الاقتصاد الإيراني يتوغل في الخراب

"الاقتصاد يتعرض لضغوط شديدة، وعديد من العوامل خارجة عن سيطرتنا"
عبدالناصر همتي، محافظ البنك المركزي الإيراني
تقف الحكومة الإيرانية عاجزة أمام التدهور المروع لاقتصاد بلادها. وهذا التدهور ليس وليد الأمس، بل يعود إلى أعوام خلت، ولعشرات الأسباب على رأسها عدم قدرة هذه الحكومة على التحكم في اقتصادها، لأنه ببساطة لا يخضع كاملا لسلطتها. إنها الحقيقة التي يعرفها الإيرانيون، كما بقية العالم، أدت في النهاية إلى حالة فريدة من نوعها في تاريخ الاقتصادات كلها. فهناك اقتصادان في بلد واحد، الأول وهو الأكبر يسيطر عليه المرشد علي خامنئي، ولا سلطة للرئيس حسن روحاني عليه، والثاني هو ذاك الذي يختص بتسيير الحياة اليومية للمواطن في البلاد. هذه الحياة التي تسير من سيئ إلى أسوأ، ومن أزمة إلى مصيبة، ومن انهيار إلى آخر، ومن فشل إلى سقوط، أوضاع دفعت الإيرانيين في الأعوام الأخيرة إلى انتفاضة تلو الأخرى، جوبهت كلها بوحشية فردية من قبل النظام الحاكم.
الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد الإيراني هي مزيج من ضغوط قديمة وأخرى متجددة، بينما لا يوجد مخرج واقعي منها. وفي الأعوام القليلة الماضية فشل كل محاولات النظام الحاكم في التقليل منها بعد أن يئس من فكرة التخلص منها وإزالتها. العوامل كثيرة يتصدرها الفساد التاريخي المستشري في قمة هرم السلطة، وهو مزيج أيضا من استراتيجية تقوم على السرقة، واستنزاف مقدرات البلاد، وإدارة بلغت من التردي حدودا غير مسبوقة، لا في إيران ولا أي بلد في المنطقة. تضاف إليها الأوهام التي لا تنتهي لدى خامنئي وجماعته على صعيد ما اصطلح على تسميته بتصدير الثورة. لكن المصيبة أن هذه الثورة لم تقنع بمخرجاتها الشعب الإيراني نفسه الذي يدفع ثمن هذه الأوهام منذ أن استولى الملالي على السلطة في بلاده.
فقد النظام كله، وليست الحكومة فقط، السيطرة على الوضع الاقتصادي باعتراف كبار المسؤولين في حكومة حسن روحاني. فهو ليس قادرا حتى على حماية العملة الوطنية من الانهيار رغم كل الإجراءات التي اتخذها في العامين الماضيين، وهي إجراءات مشددة، بل يمكن وصفها بالظالمة. ففي غضون هذين العامين، فقد الريال الإيراني 70 في المائة من قيمته أمام الدولار، في حين انضم أكثر من خمسة ملايين إيراني إلى صفوف المتعطلين عن العمل، ما رفع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة. ومنذ مطلع العام الجاري، فقدت هذه العملة 49 في المائة من قيمتها، حتى إنها بلغت قبل أيام أكثر من 263 ألف ريال للدولار الواحد في السوق الحرة، أو ما يعرف بالسوق غير الرسمية. والمصيبة أن سعر الصرف الرسمي للريال يقف عند 42 ألفا مقابل الدولار.
لا شك أن العقوبات الأمريكية التي شددها الرئيس دونالد ترمب قبل عامين، ويواصل تشديدها بصورة دورية أسهمت في رفع مستوى الضغوط على الاقتصاد الإيراني، بما في ذلك منع الشركات العالمية من التعامل مع النظام الإرهابي في طهران بأي شكل من الأشكال. أدى ذلك إلى هروب جماعي لرؤوس الأموال الأجنبية، وتراجع مخيف لاحتياطيات البلاد من النقد الأجنبي. لكن سوء الإدارة الاقتصادية كان ولا يزال العامل الأهم لتردي الأوضاع في إيران. فالكل يعرف أن حكومة حسن روحاني لا تملك القرار الحاسم في الموضوع الاقتصادي، والمرشد خامنئي أقام اقتصادا موازيا يديره الحرس الثوري الإيراني الذي يوظفه بدوره لاستراتيجية تمويل الخراب والحروب والمعارك هنا وهناك، فضلا عن الرعاية المالية التي لا تتوقف لمجموعة من التنظيمات والعصابات في المنطقة وخارجها.
وفق بيانات معهد الإحصاء الإيراني ارتفع معدل التضخم من 10 في المائة عام 2018 إلى 35 في المائة في نهاية الربع الأول من العام الجاري. وهذا الارتفاع يمضي قدما، ما يرفع الضغوط المعيشية على المواطن الإيراني، والمعهد نفسه يعترف بأن مائدة طعام العائلات انكمشت بنسبة تتجاوز 5 في المائة. فالأسعار ترتفع بصورة جنونية مع تفاقم أزمة الوحدات الإنتاجية والخدمية. في ظل هذا المشهد المأساوي تنضم يوميا أعداد هائلة من الإيرانيين إلى شريحة المواطنين الأشد فقرا، بما في ذلك زيادة عدد هؤلاء الذين اضطروا للعيش في الكهوف بعد أن فقدوا منازلهم نتيجة الخراب الاقتصادي الذي يضرب بلادهم. وهناك تقارير دولية تتحدث عن عجز بعض المؤسسات الحكومية عن تسديد رواتب الموظفين في موعدها.
لن يفلح النظام الحاكم في إيران في مواجهة الأزمة الاقتصادية الراهنة التي تفاقمت بصورة أخطر مع تفشي وباء كورونا المستجد الذي وضع البلاد في قائمة الدول الأكثر تضررا منه، فضلا عن الحصار الاقتصادي الذي تعانيه، بما في ذلك عدم قدرتها على تصدير النفط، الممول الأكبر للموازنة العامة، في حين لا يزال نظام خامنئي يعيش أوهاما بائسة أنسته مصائب مواطنيه ومعاناتهم. لقد فقد هذا النظام كل الخيارات التي كانت متاحة أمامه في يوم من الأيام، لا لشيء إلا لأنه يتعاطى مع الأوهام كحقائق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي