شركات خليجية تتجه إلى الطروحات الخاصة من أدوات الدين .. مستثمرون محدودون وتسعير تنافسي
بدأت الشركات الخليجية غير الحاصلة على تصنيفات ائتمانية أو ذات التصنيفات دون الدرجة الاستثمارية، النظر بجدية في إصدار ما يعرف بـ"الطروحات الخاصة" من سندات وصكوك.
وتكون هذه الطروحات بمبالغ إصدار صغيرة إلى متوسطة أقل من 68 مليون دولار بالعملات المحلية بدرجة أكبر وبدرجة أقل بالعملة الدولارية، التي تتم بين عدد محدود من المستثمرين أقل من خمسة أو عشرة مستثمرين، التي لا يتم الإفصاح عن بيانات التسعير للسوق بشكل عام.
وتلجأ الشركات لمثل هذا النوع من الإصدارات عندما تكون ظروف السوق غير مواتية أو عندما ترى تلك الشركات أن الطروحات الدولارية العامة ستكون تكلفتها عالية على خزائنهم، وهذا ما هو حاصل في الوقت الحالي في السوق.
ووفقا لوجهة نظر المستثمرين، فقد يكون تسعير أداة الدين مع الطروحات الخاصة أقل بقليل مع تسعير الطرح العام.
وعلمت "الاقتصادية" أن إحدى الشركات السعودية تمكنت من إغلاق طرح محلي لها في الأيام الماضية عبر اتباع تلك المنهجية من الطرح.
وتعكف الشركات الخليجية على التباحث مع البنوك الاستثمارية حول خيارات التمويل المتوافرة في ظل الجائحة، ولا سيما تلك الخيارات التمويلية، التي تأتي بتكلفة متدنية في ظل هذه الظروف الاستثنائية، التي تشهدها الأسواق العالمية.
تأتي تلك التطورات حول سبل توافر خيارات التمويل في الخليج بعد أن نشرت الصحيفة تحليلا في 7 نيسان (أبريل) أشارت فيه إلى أن أسواق الدين الدولارية الخاصة بالطروحات العامة، أصبحت في الفترة الحالية مفتوحة للمصدرين الخليجيين أصحاب التصنيفات الائتمانية المرتفعة فقط، أي الحاصلين على تصنيفات الدرجة الاستثمارية، وذلك في ظل جائحة الكورونا، التي أثرت في معنويات المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر وتخفيضات التصنيفات الائتمانية، التي تتم بشكل شبه أسبوعي حول العالم من قبل شركات التصنيف.
وينتظر لنافذة الإصدار، التي توافرت في الأيام العشرة الماضية أنه قد تم إغلاقها بعد الاضطرابات الشديدة على أسعار النفط.
الشراء من السوق
في الإطار ذاته، خاطبت بعض البنوك الاستثمارية عددا محدودا من جهات الإصدار الخليجية بشأن إمكانية النظر بخيار شراء أدوات الدين الدولارية، التي سبق وتم إصدارها (بالقيمة الاسمية) في وقت سابق، (وذلك بفائدة عالية على خزانتهم)، بغرض شرائها دون القيمة الاسمية من السوق الثانوية، ولا سيما تلك الأوراق المالية، التي تتداول بخصم كبير عن القيمة الاسمية، ومن ثم النظر بعدها بإصدار أدوات دين بفائدة متدنية، وذلك بعد قيام شركات بالأسواق الناشئة والمتقدمة بتلك الخطوة خلال الأسابيع الماضية.
وتساهم تلك الخطوة في إدارة المطلوبات على المؤسسة المالية والتحكم بمقدار خدمة الدين وإطالة أمد آجال الاستحقاق في حال كانت قصيرة الأجل، وكذلك تخفيض مستوى المديونية.
ويحاول مديرو الخزانة بجهات الإصدار الخليجية استحضار تجربة الأزمة المالية في 2008 وكيف فوتت شركاتهم فرصة شراء السندات والصكوك، التي كانت تتداول عند أقل من 80 سنتا للدولار أي أقل من 20 في المائة من القيمة الاسمية، ولا سيما أن بعضهم كان لديه مقدار ضخم من السيولة للقيام بذلك.
وذلك في خطوة مشابهة لما تقوم به الشركات المدرجة في البورصة عندما تعتزم شراء أسهمها عندما تصل لمستويات شراء مغرية.
وتتم تلك الآلية في أسواق الدخل الثابت عبر تقديم عروض سداد مبكرة لسندات أو صكوك سبق وأن تم إصدارها بفائدة مرتفعة واستبدالها بأدوات دين بتكلفة متدنية.
وعادة ما يطالب المستثمرون بعلاوة سعرية من أجل التخلي عن تلك الإصدارات، التي يتم تداولها بالأسواق الثانوية، وذلك في "الأوضاع الطبيعية".
إلا أن مع جائحة "كوفيد - 19"، فإن الكفة تميل لمصلحة جهة الإصدار، التي تتوافر لديها سيولة كافية للقيام بعملية إعادة شراء ديونها ومن ثم تتوافر لديها الثقة بأن المستثمرين سيكتتبون بأوراقها المالية الجديدة في حال قررت الإصدار.
يذكر أن بنك الشارقة وموانئ دبي قد أعادو شراء أدوات دين (في 2019) سبق أن أصدروها، وذلك بعد توافر فرص نادرة من أجل إعادة تمويل تلك الأوراق المالية بتكلفة متدنية.
آلية الطرح الخاص
يقصد بالإصدارات الخاصة (Private Placement) تلك التي يقوم بها البنك المرتب لإصدار الصكوك، وذلك عبر اختيار مستثمرين معينين من أجل الاستثمار بأوراق مالية معينة لجهة الإصدار، وهذه الإصدارات لها تشريعات محددة من قبل هيئة الأوراق المالية لكل دولة.
ومع ذلك النوع من الإصدارات يتم البيع لأكثر من أربعة أو عشرة مستثمرين، وهذه النوعية من الإصدارات لا تطرح للجمهور، ولا يسمح بإعلانها، ولا يتم تسجيلها أو حتى كشف تفاصيلها الفنية.
وتتميز الطروحات الخاصة للصكوك بعدة مزايا مثل: أن أحجام تلك الإصدارات تكون صغيرة ومكونة من عدة شرائح، فضلا عن ميزة الإصدار السريع المنخفض التكلفة وعدم اضطرار جهة الإصدار لكشف بياناتها المالية للعامة.
وتواجه الإصدارات الخاصة تحدي عدم وجود منصة إلكترونية تسهل من عملية بيع أو تداول إصدارات الدين الخاصة التي سبق إغلاقها، حيث يرى بعض المستثمرين أهمية وجود جهة تنظيمية تشرف على عملية البيع أو تسهل من إيجاد منصة بيع.
ولا تشمل تلك البيانات الخاصة بالطرح الخاص أدوات الدين الصادرة عن حكومة المملكة، حيث إن قواعد طرح الأوراق المالية قد صنفت الأوراق المالية الصادرة عن حكومة المملكة كطرح مستثنى.
الطرح العام
وفقا إلى التقرير السنوي الصادر عن هيئة السوق المالية، فإن الشركات السعودية لم تقم بأي طرح عام لأدوات الدين من 2016 إلى 2018، حيث يتضح أن الطرح العام يتم تفضيله مع الإصدارات الدولارية، وليست تلك المقومة بالريال.
وهيئة السوق المالية قامت بعدة مبادرات إصلاحية في 2018، منها إعادة كتابة لوائح الطرح والإدراج الخاصة بأدوات الدين والغاية من ذلك تشجيع الشركات للتوجه للطرح العام بدل من الخاص، حيث تم في أبريل 2018 نشر قواعد طرح الأوراق المالية، وهذا من شأنه أن يساعد الشركات المدرجة الراغبة في إصدار أدوات الدين للتوجه بالطرح العام، وذلك بإتاحة الاستثمار والتداول بالسندات على جميع شرائح المستثمرين بدلا من التوجه للطرح الخاص.
وتمت مراجعة متطلبات وشروط الطرح العام وإلغاء عديد منها في القواعد الجديدة، كما أن تلك التحديثات قد شملت القواعد المنظمة للمنشآت ذات الأغراض الخاصة، التي ستمكن الشركات المدرجة والجهات من تأسيس كيانات خاصة بإصدار أدوات الدين وإدراجها في السوق المالية.
أسعار مغرية
بعد موجة بيع أطلق شرارتها هبوط أسعار النفط أصبحت سندات الشركات الخليجية تتيح الآن عوائد مرتفعة، الأمر الذي قد يكون مغريا للمستثمرين الدوليين الباحثين عن العائد ما يعرف عنهم بعدم الاستثمار بالأوراق المالية الصادرة عن الشركات الخليجية.
وتواجه الشركات المصدرة للسندات في الخليج، ولا سيما ذات التصنيف المتدني عندما تعود إلى السوق الدولارية تكاليف اقتراض أعلى إلا أن مثل تلك الإصدارات فيما لو حدثت مستقبلا، فإنها قد تجتذب المستثمرين المغامرين، الذين يبحثون عن عوائد أعلى.
وتجنب هؤلاء الاستثمار في السندات الخليجية بسبب الثروة النفطية في المنطقة، التي تسببت في انخفاض العوائد، وفقا لـ"رويترز".
والعوائد على سندات الأسواق الناشئة عالية العائد ارتفعت من 8.5 في المائة إلى 13.6 في المائة في نهاية فبراير إلى نهاية آذار (مارس)، وفقا لمؤشر بلومبيرج باركليز.
والسندات عالية المخاطر مغرية للمستثمرين في الأوقات، التي تنخفض فيها أسعار الفائدة في البنوك المركزية لمستويات تاريخية.
التصنيفات الائتمانية
أظهر رصد سابق للصحيفة، أن وكالات التصنيف الائتماني قد شرعت منذ منتصف مارس في تغذية وعكس تبعات جائحة "كوفيد - 19" على منهجيات التصنيف، التي نتج على أثرها ظهور الموجة الأولى من تخفيضات التصنيف الائتماني التي لامست الدول والشركات، الأمر الذي سبب ضغوطات على تلك الدول والشركات، التي ترغب في إعادة تمويل ديونها.
وشهد مارس أسرع وتيرة لتخفيض التصنيفات الائتمانية، مقارنة بالأعوام السابقة ـ إلى عام 2002 على الأقل، وفقا لتقرير صدر عن "بنك أوف أمريكا".
وأضاف المصرف أن مزيدا من جهات الإصدار يمكن أن تتوقع انخفاض تصنيفاتها الائتمانية في الأسابيع المقبلة.
القدرة على المناورة
أظهر رصد "الاقتصادية" نشرته في 4 نيسان (أبريل)، أن دولا عدة تصنف على أنها أسواق ناشئة، وجدت نفسها في مواقف صعبة بعد أن تفوقت الاقتصادات المتقدمة في إيجاد حزم مساعدات تحفيزية لاقتصاداتها المحلية من أجل مكافحة تداعيات جائحة "كوفيد - 19".
وكان التباين واضحا بين تلك الدول، حيث إن بعضها تفضل أن تتعثر في سداد مديونيتها للمستثمرين الدوليين بحجة توفير تلك الدفعات الدورية للاقتصاد المحلي لمواجهة تبعات جائحة كورونا، وأخرى طلبت من المؤسسات الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) إيجاد حل لديونهم الدولية عبر تجميد تسديدها للدائنين.
ويتوقع لبعض الدول، التي تعثرت قبل جائحة "كورونا" كفنزويلا ولبنان والأرجنتين، أن تشتد عليها الأزمة قريبا، بحكم تآكل الاحتياطيات المالية، وانهيار أسعار سنداتها في الأسواق الثانوية، إلى جانب عدم توافر نقد أجنبي كاف، كبعض دول إفريقيا مثل زامبيا.
في حين يخشى بعضهم من الاستدانة من أسواق الدين المحلية حتى لا تتأثر سيولة القطاع المصرفي.
أما الدول التي لديها تصنيف من الدرجة الاستثمارية ولكن عند المستوى الأدنى، فقد استدانت من السوق الدولية ولكن دفعت علاوة سعرية باهظة.
وعلى سبيل المثال اضطرت بنما، التي توصف بأفضل اقتصادات أمريكا اللاتينية وأمريكا الوسطى بتصنيف ائتماني عند (BBB)، إلى استدانة 2.5 مليار دولار أواخر الشهر الماضي، وذلك بعد دفعها 60 نقطة أساس كعلاوة سعرية، حيث في العادة تكون العلاوة في الأوضاع الطبيعية بين 5 و20 نقطة أساس بالكثير.
وحدة التقارير الاقتصادية