مبادرة "أدب العزلة".. وإبداع يتخلق من رحم العزلة
فرضت العزلة المنزلية للوقاية من فيروس كورونا نمطاً جديداً من شكل الحياة الاجتماعية على أغلب الناس، لكن بالنسبة للمبدعين فإن هذه العزلة تبدو مشابهة لعزلتهم المعتادة في استسقاء الإبداع أو إنتاجه، الفرق الواضح أن هذه العزلة قسرية وليست اختيارية، وهذا ما تنبهت له هيئة الأدب والنشر والترجمة حين أعلنت عن مبادرة "أدب العزلة" لتحفيز المبدعين وتوثيق شكل هذه الأيام والإنصات لوجهة نظرهم عما يحدث حولهم وبداخلهم عبر نصوص أدبية وإبداعية.
وبالنظر إلى حالة المبدع من خلال بيئته والظروف التي يحاول أن تكون معمل بحثه ووصوله، مختبر تجاربه ومحاولاته، فإن أكثر ما يمكن توفره في أغلب بيئات المبدعين هو المكان الهادئ والمنعزل عن الضجيج، المؤثث بتفاصيل ملهمة ترسم شكل العالم الحالم، حتى يكون له الحظ في اختيار ما يشغل وقته، وفرصة المراقبة وتدوين الملاحظات، وكذلك التأمل والولوج إلى أعماقه.
في هذه العزلة القسرية التي فرضتها الإجراءات الاحترازية من فيروس كورونا، فإن المبدعين تقاطعوا مع المجتمع في مساحة واحدة، بحيث أن بيئة المبدع القائمة على توفير ما يغنيه عن الخروج والانشغال بالآخرين صارت هي بيئة الجميع، وأنه مثلما درّب المبدع نفسه على أن تكون خلوته مصدر اكتشاف وتزود بالمعرفة والشغف جاءت هذه العزلة لتكشف للجميع أن بوسعهم العثور على المبدع بداخلهم، لأنه إذا ما كانت عزلة المبدع سابقاً تفرز منتجات إبداعية فإن عزلة المجتمع ستنتج مبدعين جدد.
ولكن بالنسبة للمبدع المتكيّف سلفاً مع العزلة، والمستعد للتعايش مع عزلة يختارها أو يكون مضطراً لعيشها، فإن مشاركة الجميع عالمه اختراق لخصوصيته، إرباك للفرادة التي كان يحظى بها، فرض طقوس متشابهة حد مزاحمة طقوسه المستثناة، إنما يبقى للمبدع قدرته على إعادة إنتاج ما يعيشه عبر ما ينتجه من نص أو قصيدة أو لوحة أو أي قالب إبداعي آخر، مع فرصة المبدع في هذه العزلة أن يشعر بالألفة أكثر تجاه ما كان يختاره طالما الجميع صار يشاركه فيه، كذلك الوصول إلى مستويات أكثر نضجاً في خيارات العزلة لأنها خضعت لضخ أفكار وتدفق مقترحات بشكل استثنائي، إضافة إلى تقليص المسافة بينه وبين الآخرين لأنهم صاروا في التباعد الذي يسمح بالتواصل من غير الإخلال بدائرة العزلة الخاصة.
وبالوصول إلى مبادرة "أدب العزلة" التي أطلقتها هيئة الأدب والنشر والترجمة، وحالة العزلة القسرية على المبدعين، فإنه من المتوقع أن تنعكس هذه المبادرة على تحفيز مبدعين للإنتاج، والشد على يد الراغبين في التجريب والمحاولة، وفي الوقت نفسه فإن حالة العزلة ستؤثر على محتوى المنتجات الأدبية، وستحضر في الأعمال تفاصيل اليوميات والواقع أكثر من المتخيل، والعودة إلى ملاحظة كل ما هو معتاد وروتيني ومألوف بطريقة جديدة، والتفكير بالكثير من الأشياء التي تخص الحياة كمفهوم واسع إلى أدق التفاصيل بعقلية المراقب والمتأمل، والتعامل مع الحياة عندما تصل بشكل ما إلى الحافة أنها البداية الجديدة، وولادة الإبداع من رحم العزلة هذه المرة وليس المعاناة.