واقع جديد لإصدارات الدين الخليجية .. فترات طرح متقطعة واقتناص للفرص

واقع جديد لإصدارات الدين الخليجية .. فترات طرح متقطعة واقتناص للفرص

توقع متعاملون في أسواق الدخل الثابت، أن تواجه أسواق الدين الخليجية "فترات إصدار متقطعة" خلال الأشهر المقبلة يتخللها توقف "مؤقت" للمصدرين عن الإصدار بالعملة الدولارية، بسبب عدم مواءمة ظروف السوق ومن ثم اقتناص "نافذة إصدار" موائمة، وذلك في إطار "واقع جديد" للتكيف مع جائحة فيروس كورونا.
وأشاروا في حديثهم لـ"الاقتصادية" إلى أن أسواق الدخل الثابت في المنطقة انتهت من الفترة "الثانية" من التوقف المتقطع للإصدارات الدولية (الذي دام من 20 فبراير إلى يوم الثلاثاء 7 أبريل (أي 47 يوما).
ورجحوا أن تقوم ما لا يقل عن ثلاث دول خليجية تتميز بتصنيفاتها الائتمانية المرتفعة أو عدد محدود من الشركات الحكومية (الحاصلة على درجة التصنيف نفسها لبلدانها) بقص شريط الإصدارات خلال الفترة المقبلة.
إلى ذلك، أوضح متخصصون في أسواق الدخل الثابت، أن عمليات البيع "المؤقتة" (الأخف حدة مقارنة ببعض المناطق الجغرافية) التي تمت خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من مارس على معظم أدوات الدين الخليجية ذات التصنيف الائتماني المرتفع، لم تكن بسبب وهن في الأساسيات الاقتصادية بل لكون عمليات البيع تركزت من قبل شركات إدارات الأصول العالمية التي تستثمر بأحجام كبيرة بديون المنطقة، نظرا لطلبات التخارج التي انهالت على معظم صناديق الدخل الثابت التي يديرونها.
وبينوا أن الاستراتيجية الأولية لتلك الصناديق كانت عدم التفريط في تلك الأوراق المالية التي يعد بعضها بمنزلة الملاذات الآمنة في الأسواق الناشئة لولا انعدام السيولة التي حدثت لسندات الدول ذات التصنيف المتدني والتي يكون حجم إصدارها صغيرا، وعلى أثره لم تستطع تلك الصناديق تسييل تلك الأصول بسبب عدم وجود مشترين في السوق الثانوية.
واستدلوا بأن تلك الظاهرة لم تكن مقصورة على أسواق المنطقة بل في الأسواق الناشئة كلها، ولا سيما سندات المكسيك التي لم يتأثر اقتصادها بشدة من جائحة كورونا حتى الآن، ومع ذلك تعرضت سنداتها للتسييل من قبل محافظ إدارات الأصول.
وعلل المتعاملون اضمحلال السيولة الثانوية خلال تلك المرحلة، إلى الفترة الانتقالية التي تلت عمل المستثمرين والمتداولين من المنزل ما صعب مسألة تنفيذ الصفقات بطريقة سلسة وفورية بسبب الجانبين الزمني والتقني.
وأشاروا إلى أنه في بعض الحالات لم يجد بعض المتداولين في أسواق الدين من يتداولون معهم تلك السندات والصكوك، إلا أن الوضع مع بداية أبريل قد تحسن في السوق الثانوية عن ذي قبل بعد بداية المتعاملين في التكيف مع الأوضاع.

تجنبوا السوق
وعلى الرغم من أن الأسواق الثانوية استعادت جزءا بسيطا من عافيتها إلا أن الحال قد وصل ببعض المصرفيين إلى أن أخبروا جهات الإصدار في الأسواق الناشئة خلال فترة تذبذب السوق، بأن أفضل منهجية لطرق باب الأسواق الرئيسة هي أن يتجنبوا السوق ويبقوا بعيدين بسبب ارتفاع هوامش الائتمان لجهات الإصدار لمستويات غير معهودة، بحسب تقرير لـ"جلوبل كابيتال" البريطانية، حيث تم استهداف بالمبيعات في الأسواق الثانوية جهات الإصدار الإفريقية المصدرة للنفط وكذلك الشركات من فئة الدرجة الاستثمارية المتدنية B أو BB.
وينقسم وضع المصدرين المحتملين من أصحاب التصنيفات الائتمانية المتدنية إلى قسمين، منهم من يفضل أن يستدين الآن قبل أن يتفاقم الوضع أكثر بسبب اضطراب الأسواق، وتلك الفئة تعد قلة ومستعدة لدفع علاوة سعرية عالية، والقسم الآخر يرى أن من الأفضل التريث حتى تستعيد الأسواق عافيتها عبر ما يسمى اقتناص نافذة للإصدار التي تتوافر خلال ساعات معينة أو خلال يوم أو يومين من الأسبوع.

نزوح سيولة مارس
تتوافق معطيات شركات إدارة الأصول مع البيانات الرقمية الصادرة من معهد التمويل الدولي التي أشارت إلى أن الأسواق الناشئة قد شهدت "توقفا مفاجئا" لتدفقات رؤوس الأموال في مارس مع سحب مستثمري المحافظ بالسندات 31 مليار دولار، في ثاني أكبر نزوح شهري مسجل بعد أكتوبر 2008. وذلك بسبب عدم التيقن حيال انتشار فيروس كورونا وصدمات ضخمة في أسعار النفط والأصول المالية.
وساهم الانتشار الأوسع للجائحة في الأسابيع الأخيرة في هز الأسواق محدثا صدمة للأسواق الناشئة أشد من الأزمة المالية الكبيرة فيما يتعلق بتدفقات رؤوس الأموال. كما أن بعض كبرى صناديق الديون العالمية قد خسر مليارات الدولارات من قيمته في حين وصل الأمر ببعض الصناديق الصغيرة أن خسر نصف قيمته في ظرف أسبوعين.

استمرارية الأعمال
من أجل تيسير عمل المتداولين في الشركات الاستثمارية وإدارة الأصول والمصارف، قامت تلك الشركات بتركيب شاشات التداول الضخمة في مساكن موظفيها من أجل إعادة إيجاد ما يسمى "قاعة التداولات".
وقبل أن تتفاقم تبعات الجائحة كان معظم البنوك الخليجية الكبرى مستعدا لتطبيق ما يعرف بسياسة "استمرارية الأعمال" التي يتم اللجوء إليها في الحالات والظروف الطارئة، حيث لم تتأثر منهجية العمل كثيرا بعدما تم الطلب من موظفي تلك المؤسسات تعليق العمل وتطبيق إجراءات العمل عن بعد، باستثناء الوظائف الحرجة.

المرحلة الأولى من التوقف المتقطع
تطرقت "الاقتصادية " في تحليل نشرته في 23 فبراير إلى المرحلة الأولى من التوقف الذي دام 14 يوما وبعدها توالت الإصدارات الخليجية التي تظهر أن السعوديين تفوقوا في اختيار التوقيت المناسب لإصداراتهم الدولارية (الجهة السيادية ومصرفان وشركة عقارية تمكنوا جميعهم من الإصدار خلال الربع الأول).
وكان التوقف المؤقت خلال المرحلة الأولى من أجل التروي لاختيار أفضل وقت لطرق باب أسواق الدين، وتخلل تلك الفترة قلق المصدرين الخليجيين من المستثمرين الآسيويين الذين كانوا في تلك الفترة يتكيفون مع أوضاع العمل من المنزل.
وأظهرت أحجام الطلبات الآسيوية على الأوراق المالية الصادرة من المنطقة حينها أنها طبيعية وتمت تغطية الإصدارات أكثر من مرة.
وازدادت شعبية الأوراق المالية الخليجية بين المستثمرين الآسيويين في الآونة الأخيرة وأصبحت بمنزلة الفئة التي لا يمكن النظر في إقصائها خصوصا أنهم يستحوذون على ما بين 16 و35 في المائة من إجمالي قيمة إصدارات السندات والصكوك.
واحتاج المصدرون الخليجيون والمستثمرون الآسيويون إلى 14 يوما للتكيف مع الوضع الجديد، حيث توقفت الإصدارات مؤقتا في 23 يناير الذي تخللته تجربة عمل موظفي شركات الاستثمار الآسيوية من المنازل التي لم تعقهم عن المشاركة في الإصدارات الخليجية.
ونجح العاملون في تلك الشركات الآسيوية ومن خلف الأبواب المغلقة لمنازلهم في اكتشاف آلية عمل مناسبة تحافظ على استمرارية العمل خلال هذا العالم الافتراضي عبر "الاستعانة بمحادثات الفيديو والمكالمات الهاتفية"، لتكون بديلا مثاليا عن اجتماعات المستثمرين التي كانت ستتم عبر الجولات الترويجية في المدن الآسيوية.

القدرة على المناورة
أظهر رصد لـ"الاقتصادية" نشرته في 4 أبريل، أن دولا عدة تصنف على أنها أسواق ناشئة، وجدت نفسها في مواقف صعبة بعد أن تفوقت الاقتصادات المتقدمة في إيجاد حزم مساعدات تحفيزية لاقتصاداتها المحلية من أجل مكافحة تداعيات جائحة "كوفيد - 19".
وكان التباين واضحا بين تلك الدول، حيث إن بعضها يفضل أن تتعثر في سداد مديوناتها للمستثمرين الدوليين بحجة توفير تلك الدفعات الدورية للاقتصاد المحلي لمواجهة تبعات جائحة كورونا، وأخرى طلبت من المؤسسات الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) إيجاد حل لديونهم الدولية عبر تجميد تسديدها للدائنين.
ويتوقع لبعض الدول التي تعثرت قبل جائحة كورونا، مثل فنزويلا ولبنان والأرجنتين، أن تشتد عليها الأزمة قريبا، بحكم تآكل الاحتياطيات المالية، وانهيار أسعار سنداتها في الأسواق الثانوية، إلى جانب عدم توافر نقد أجنبي كاف، لبعض دول إفريقيا مثل زامبيا. في حين يخشى البعض من الاستدانة من أسواق الدين المحلية حتى لا تتأثر سيولة القطاع المصرفي.
أما الدول التي لديها تصنيف من الدرجة الاستثمارية ولكن عند المستوى الأدنى، فقد استدانت من السوق الدولية ولكن دفعت علاوة سعرية باهظة.
وعلى سبيل المثال اضطرت بنما، التي توصف بأفضل اقتصادات أمريكا اللاتينية وأمريكا الوسطى بتصنيف ائتماني عند BBB، إلى استدانة 2.5 مليار دولار أواخر الشهر الماضي، وذلك بعد دفعها 60 نقطة أساس، علاوة سعرية، حيث في العادة تكون العلاوة في الأوضاع الطبيعية ما بين 5 و20 نقطة أساس على الأكثر.
في حين تتوافر خيارات واسعة لعدد قليل من اقتصادات الأسواق الناشئة التي تعد بمنزلة الملاذات الآمنة، فالسعودية مثلا، الحاصلة على خامس أعلى تصنيف ائتماني من الدرجة الاستثمارية من وكالة "موديز"، استطاعت الاستدانة بتكلفة يسيرة من السوق المحلية في ظل انخفاضات السايبور إلى مستويات قياسية وتوافر سيولة فائضة في القطاع المصرفي.
يأتي ذلك في وقت لا تستعجل السعودية طرق باب أسواق الدين الدولية وتتحين الفرصة المناسبة التي تجنب بها خزانة الدولة دفع علاوة سعرية لا مبرر لها، وذلك على خلاف الدول الأخرى التي في عجلة من أمرها.

التصنيفات الائتمانية
أظهر رصد صحيفة "الاقتصادية"، أن وكالات التصنيف الائتماني شرعت منذ منتصف الشهر الماضي في تغذية وعكس تبعات جائحة "كوفيد - 19" على منهجيات التصنيف، التي نتج على أثرها ظهور الموجة الأولى من تخفيضات التصنيف الائتماني التي لامست الدول والشركات، الأمر الذي سبب ضغوطا على تلك الدول والشركات التي ترغب في إعادة تمويل ديونها.
وشهد مارس أسرع وتيرة لتخفيض التصنيفات الائتمانية، مقارنة بالأعوام السابقة ـ إلى عام 2002 على الأقل، وفقا لتقرير صدر عن "بانك أوف أمريكا"، الذي أوضح أن مزيدا من جهات الإصدار يمكن أن تتوقع انخفاض تصنيفاتها الائتمانية في الأسابيع المقبلة.
ومعلوم أن صندوق النقد والبنك الدوليين طلبا من دائني الدول الأشد فقرا "تجميد تسديد الديون" كي تتمكن هذه الدول من استخدام ما لديها من أموال لمكافحة فيروس كورونا المستجد، مشيرين في رسالة مشتركة إلى أن فترة السماح ستسمح بتحليل الوضع وحاجات كل دولة.
وطلبا أيضا من مجموعة "العشرين" تكليفهما بمهمة التقييم لإعداد لائحة بالدول التي ترزح تحت ديون هائلة والعمل على إعادة هيكلتها..

* وحدة التقارير الاقتصادية

الأكثر قراءة