عام التباطؤ الاقتصادي
لم يفرح العالم كثيرا في عام 2019، عندما تخلص نهائيا من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية التي اندلعت في عام 2008. كان الجميع يتمنى أن ينطلق الاقتصاد العالمي مجددا نحو آفاق واعدة مزدهرة بعيدة عن المطبات هنا وهناك، وأن تعود الدورة الطبيعية لهذا الاقتصاد، بعد عشرة أعوام من تداعيات كانت مكلفة جدا، ومريرة كثيرا، وشديدة إلى أبعد الحدود. لكن التباطؤ الذي نال من النمو العالمي في العام الذي تخلص فيه الاقتصاد من تبعات الأزمة الكبرى، أفرغ "الفرح" الناجم عن هذا الحدث من محتواه. وانكب هذا العالم على متابعة هذا التباطؤ، ومراقبة أسبابه التي يبدو أنها لن تنتهي في وقت قريب. والذي عزز الأجواء غير السعيدة، ما اتفقت عليه كل المؤسسات الاقتصادية العالمية، وهو أن التباطؤ ربما يدوم لمدة لن تكون قصيرة، وأن النمو المنشود لن يتحقق كما يتمنى الجميع.
اللافت، أنه في عام 2019 شهد الاقتصاد العالمي أبطأ نمو منذ الأزمة الكبرى المشار إليها، ما يعزز الاعتقاد بأن المرحلة المقبلة ستكون حساسة على الساحة الدولية. والواقع، أن العلاقات الدولية الراهنة (ولا سيما على صعيد الدول الكبرى) لا تساعد كثيرا على "التحايل" على هذا التباطؤ. هي علاقات متوترة شملت حتى الدول الحليفة تاريخيا. وفي الأشهر القليلة الماضية، لم تظهر أي علامات واقعية على مرونة في مواقف هذه الدول، بل على العكس تماما، إلى درجة أن بلغت حدة الخلافات اللجوء إلى لغة غير دبلوماسية من قبل قادة ورؤساء الدول نفسها. بعضها وصل إلى ما دون الشتائم بقليل، فضلا عن النعوت العلنية غير اللائقة بين القادة أنفسهم. فالساحة لا تساعد بالفعل على مواجهة استحقاقات التباطؤ العالمي.
صندوق النقد الدولي، كغيره من المؤسسات العالمية الكبرى الأخرى، توقع في الساعات الأخيرة من عام 2019 نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 3 في المائة. وهذا ما يجعل النمو الأبطأ فعلا منذ الأزمة الاقتصادية. ولا أحد يتحدث عن أي تحسن ممكن في عام 2020 على صعيد النمو، لماذا؟ لأن عوامل التباطؤ لا تزال ماثلة على الساحة الدولية، ولأن العلاقات الدولية ليست على ما يرام، ولأن السياسة الحمائية تسود في أغلبية الأسواق العالمية، ولأن الخطاب الوطني المنغلق هنا وهناك حاضر دائما على الساحات المحلية. فضلا عن ربط هذا الخطاب بمواسم انتخابية تسعى الأحزاب المتنافسة إلى الحصول على أكبر قدر من الأصوات للوصول إلى الحكم، أو لدعم حكمها برلمانيا.
الأسباب تبقى كثيرة في هذا المجال، بما في ذلك تزايد الحواجز التجارية، فضلا عن حالة عدم اليقين السائدة. وتكفي الإشارة هنا، إلى آخر الأرقام التي صدرت حديثا عن منظمة التجارة العالمية، التي أكدت أن قيمة التدابير المقيدة للاستيراد حول العالم بلغت 747 مليار دولار في عام واحد، لترتفع إلى أكثر من 27 في المائة! ومن هنا يمكن اعتبار التباطؤ الاقتصادي العالمي طبيعيا، خصوصا إذا ما أخذنا في الحسبان، الآثار السلبية التي تركتها الحرب التجارية الراهنة بين الولايات المتحدة والصين على الساحة العالمية، بل نشرت سلبيتها على الساحتين الصينية والأمريكية. فالعالم لا يتحمل خلافا كبيرا كهذا بين أكبر اقتصادين فيه، مع ضرورة الإشارة إلى غياب المرونة في مواقف الطرفين على مدى العامين الماضيين.
وبصرف النظر عن الانفراجة الأخيرة في هذه الحرب، إلا أنها لم تحسم بعد بحل توافقي، ما يطيل أمد الآثار السلبية المشار إليها على الساحة الدولية. بالطبع هناك كثير من المعارك التجارية الثنائية هنا وهناك، وهذه أيضا لها آثارها غير الحميدة في وتيرة سير الاقتصاد العالمي. حال هذا الاقتصاد في عام 2019 وصل إلى حد توقع دخوله في مرحلة من الركود. لكن لم يحدث هذا الأمر، غير أنه لا توجد ضمانات على عدم حدوثه في العام الجديد. فالمسألة لا تتعلق فقط بالحروب والمعارك التجارية، بل تربط أيضا بعوامل كثيرة، من بينها ارتفاع حجم الديون السيادية، وزيادة معدلات البطالة، والمطبات الاقتصادية المختلفة، واستنفاد السياسات النقدية فاعليتها، واتساع رقعة حالة عدم اليقين التي كانت السمة الرئيسة في عام 2019.
التطورات السلبية في اقتصادات الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، أسهمت بصورة رئيسة أيضا في تباطؤ النمو العالمي. فقد كان العالم يتوقع مزيدا من الحراك الاقتصادي الصانع للنمو في هذه الاقتصادات، إلا أنها تأثرت كغيرها بالعوامل السلبية المتعددة. وفي كل الأحوال تبقى أوضاعها أفضل من أوضاع الاقتصادات المتقدمة التي صارت منذ فترة طويلة أسيرة الارتدادات السياسية المحلية فيها. لن يكون العام الجديد (وفق كل التقديرات) أفضل من العام الذي سبقه، وهذا يعزز الاعتقاد بأن التباطؤ الاقتصادي العالمي سيتواصل في المرحلة المقبلة، وإن ابتعدت قليلا عن الساحة إمكانية وصوله إلى حالة الركود. لكن كل شيء وارد في هذا العالم المضطرب. وتكفي الإشارة هنا، إلى أن المشكلات الكبيرة تضرب العلاقات بين الدول الحليفة تاريخيا. أي أنه لا توجد "مكابح" عملية لمنع أي تصعيد في المستقبل.