ضياع ونسيان
آلمني خبر نشرته إحدى الجمعيات الخيرية عن وجود مسن لديها لا تعلم عنه شيئا وهو مصاب بـ"ألزهايمر". مؤلم جدا ذلك الحال لنا كمجتمع، مع أن أثره قد يكون أقل حدة على هذا المسن الذي فقد العلاقة بالمجتمع القاسي الذي أنكره في كبره. الأبناء والبنات الذين نسوا أباهم أو تنازعوا الهروب من مواجهة مسؤولية العناية بمن سهر الليالي على راحتهم وتعليمهم وقضاء كل حوائجهم، بعيدون اليوم عن أبيهم.
سؤال لا يمكن أن تكون إجابته سعيدة أو مرضية لنا كمجتمع يفاخر بتواصله وتراحمه وعنايته بكباره. سؤال يجب أن يتناوله كل المسؤولين عن التحولات الاجتماعية الحالية، أولئك الذين يسيرون الفكر ويناقشون أزمات المجتمع والحياة والمتطلبات ويغرسون المفاهيم في عقول وقلوب المجتمع سواء كانوا مثقفين أو مربين أو جيران أو زملاء أو آباء وأمهات، وهؤلاء هم الأهم.
هروب هذا المسن الذي قد يكون واعيا أو غير واعٍ لواقعه المؤلم هو جرس إنذار للمجتمع، وهناك أجراس أخرى تحذرنا من مغبة فقدان الجزئية الأهم في علاقة الأسرة والمجتمع وهي التراحم وتحمل مسؤولية كل مكونات الأسرة سواء كانت قريبة أو بعيدة.
هناك مؤسسات حكومية قادرة على الدفع بالأبناء لتحمل مسؤولياتهم بوسائلها الذاتية أو بالتعاون مع غيرها من المؤسسات الحكومية والخاصة، وأولها بطبيعة الحال وزارة الشؤون الاجتماعية "أو التنمية المجتمعية".
خروج الوزارة من النمطية والتعاطي مع القضايا بمناظير جديدة ستحقق بلا شك تغييرات مهمة في خدمة المجتمع وإعادة الروح للعلاقات الاجتماعية لاستنقاذها من الحال الذي هي فيه. حالة كهذه وغيرها يمكن أن تفتح مجال النقاش في كيفية ربط العلاقة بين مكونات الأسرة والحي من خلال الاستفادة من الاهتمامات القائمة والمستجدة في المجتمع.
حضر لذهني ما قامت به بعض القبائل من عمليات تحمل التكاليف عن بعض أفرادها وكيف أنها وجدت من العيب عليها أن يبقى أبناؤها في السجن مع قدرة الأقارب والأباعد على تحمل جزء من تكاليف إخراج الابن من الأزمة التي يعيشها.
نتكلم هنا عن حالات محددة حيث أذنب الشخص، فكيف بنا ونحن نتحدث عن حال لم يكن الشخص فيها مذنبا، وإنما ضحية لظروف الزمان والمكان والفكر التي تسيطر اليوم بعيدا عما كان يسيطر في وقت مضى.