الحروب التجارية وبال على العالم
تنشأ الحروب التجارية كما الحروب التقليدية بتراشق الكلام بين دولتين أو عدة دول، ثم كيل الاتهامات بتسبب سياسات التجارة الخارجية لبعض الأطراف في الإضرار بصناعات معينة لأطراف أخرى، ويتبع ذلك التهديد باتخاذ تدابير حمائية جمركية وغير جمركية للحد من الواردات، ثم تشرع وتفعل هذه التهديدات. بعد ذلك ترد الدول المتأثرة سلبا بالعوائق التجارية باتخاذ إجراءات مقابلة تكون مساوية أو تفوق تأثير التدابير المتخذة ضدها. وتحاول الدول قدر المستطاع عدم الانسياق خلف توالي الردود بعد ذلك، حيث سيقود استمرار وضع القيود والقيود المقابلة أمام التجارة إلى وضع مزيد من العراقيل أمام التجارة الخارجية حتى يتم في النهاية توقف التجارة بين البلدان المتحاربة تجاريا، ولا يحدث هذا عادة إلا في حالة وقوع حرب حقيقية شاملة.
يعتقد بعض صناع القرار أن الحروب التجارية سهلة للأقوياء وأن باستطاعتهم كسبها. ولكن هذا يتناقض مع النظريات الاقتصادية التي تدعو إلى استغلال الميزة التنافسية للاقتصادات وتخصصها في صناعات وخدمات معينة لتعظيم العوائد على موارد الدول. ويقود التخصص في الإنتاج عادة إلى رفع كفاءة العمالة ورأس المال ما ينتج عنه نمو اقتصادي وزيادة التوظيف والرفاهية في البلدان المنفتحة تجاريا. وتفرض عديد من الدول رسوما جمركية وعوائق غير جمركية في وجه التجارة العالمية وذلك لحماية صناعتها، وقد يكون هذا مقبولا في حالة الدول النامية والصناعات الناشئة التي تحتاج إلى الدعم في بداية عمرها، ولكن استمرار الحماية يقود إلى ضعف القوى التنافسية داخل الدول التي تحمي صناعتها وعجزها عن المنافسة العالمية واتكالها على الحماية الوطنية، كما يقود إلى رفع الأسعار وتردي أنواع السلع والخدمات المنتجة. ولهذا لا بد من فتح الدول أسواقها أمام الواردات العالمية لزيادة خيارات المستهلكين وإجبار الصناعات المحلية على التعلم والمنافسة وزيادة الكفاءة والحد من التكاليف وخفض الأسعار إلى المستويات العالمية.
توجد نظرة قاصرة لدى بعض صناع القرارات، بأن تحقيق فائض تجاري مع دولة ما هو معيار للنجاح، بينما يعتبر حصول عجز تجاري فشلا. والحقيقة أن تحقيق فائض تجاري مستمر أو في ميزان المدفوعات مع كل الدول أمر صعب جدا إن لم يكن مستحيلا. وحصول عجز مع دولة ما لا يعني أن هناك خسارة بالتجارة مع تلك الدولة، حيث قد تكون منتجات تلك الدولة ضرورية لصناعات وخدمات أخرى ضرورية للاستهلاك المحلي أو التصدير لدول أخرى. ولهذا فإن الحد من الواردات من دولة معينة قد يقود إلى آثار سلبية أقوى من العجز التجاري معها.
نمت التجارة العالمية بقوة خلال العقود الماضية مع جولات مفاوضات التجارة متعددة الأطراف التي قادت إلى خفض العوائق الجمركية وغير الجمركية كالقيود الكمية، وأنظمة الاستيراد، والمواصفات، والشروط الصحية، والمحتوى المحلي، وقيود الاستثمار الأجنبي، أو على تجارة الخدمات، وحماية الملكية الفكرية. ويرى كثيرون أن هذا النمو مسؤول عن جزء كبير من النمو الاقتصادي العالمي، وأنه أسهم في نهضة الدول المتقدمة والنامية. إن خفض الرسوم والعوائق التجارية رفع مستويات المنافسة وحفز على الابتكار والاستثمار وزاد كفاءة استخدام واستغلال الموارد، وأسهم في الحد من زيادة أسعار السلع والخدمات ما رفع معدلات النمو ورفاهية الاستهلاك.
إن نشوب حرب تجارية خصوصا بين الدول الكبرى سيقود بلا شك إلى خفض حجم التجارة الدولية والتأثير سلبا في النمو الاقتصادي العالمي، وإذا بالغت الدول في حربها التجارية فإن هذا سيكون وبالا على الاقتصاد العالمي وقد يقود إلى ظهور كساد اقتصادي واسع النطاق، ولكن من المؤمل أن يحول الرأي العام والحصافة السياسية دون حدوث ذلك لخطورة الوصول إلى هذه المرحلة. قد تبرر بعض الدول فرض رسوم في حالة تضرر صناعات معينة بأضرار بالغة أو حدوث ركود اقتصادي وبطالة عالية، ولكن لا توجد حجج لدى الدول لزيادة الرسوم الجمركية والقيود الأخرى على التجارة أثناء مراحل الازدهار الاقتصادي كما هو الحاصل حاليا في الولايات المتحدة، التي تنوي فرض رسوم على منتجات الألمنيوم والحديد. وتدخل الطاقة في صناعة هذين المنتجين بقوة، حيث تملك بعض الدول مثل كندا ميزة تنافسية برخص موارد الطاقة ما يساعدها على تصدير كميات كبيرة من الألمنيوم والحديد إلى الولايات المتحدة.
إن إعلان الولايات المتحدة أخيرا عزمها فرض رسوم جمركية على واردات الصلب والألمنيوم لحماية صناعتها المحلية أثار قلق الأسواق من نشوب حرب تجارية بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين، كما أثار امتعاض هؤلاء الشركاء وتوعد عديد منهم بفرض رسوم مقابلة للرسوم المقترحة. ومن المعروف أن رفع الرسوم الجمركية وزيادة العوائق غير الجمركية سيضران بسلاسل إنتاج كثير من الصناعات ويرفعان تكاليف إنتاجها. وتستخدم معظم الصناعات منتجات من دول مختلفة، أو تصنع منتجاتها في مراحل متعددة في أكثر من دولة. وسيضعف رفع الرسوم الجمركية أو زيادة العوائق غير الجمركية من تنافسية بعض المنتجين، وقد يحفزهم على الانتقال إلى دول أخرى.