ساعة وداع

أصبح وجود العاملة المنزلية جزءا من المفهوم الأسري في المملكة. هذا المفهوم الذي لم يستغرق وقتا طويلا ليستوطن في البلاد، انتشر بشكل غير مسبوق ليتحول إلى جزء من الثقافة الممكن تسميتها "مؤقتة" في المملكة. أقول مؤقتة لأنها مرتبطة بزمن ووضع اقتصادي معين، نعيشه اليوم ونتمنى أن يستمر ـــ لكنه غير مضمون.
مؤقت أيضا لأنه غير مبني على مكونات موجودة في البنية المجتمعية الحالية، وإنما يعتمد على من يأتون من خارج البلاد وهذه حالة قد لا تستمر لأي سبب من الأسباب. يمكن أن نراقب في المجال أمثلة أخرى كثيرة لدول كانت تستورد العمالة أو تصدرها لمنطق اقتصادي معين يختفي وتختفي معه تلك الحالة.
المثير لدينا هو التعلق الشديد بالوضع القائم واستعداد الأسر أن تضحي بكثير من احتياجاتها الأكثر إلحاحا وهي تبحث عن توظيف من يقوم برعاية شؤونها المنزلية كحاجة، تطورت فيما بعد إلى حالة من التنافس والتباهي الذي لا بد أننا لاحظناه في سلوكيات كثير من فئات المجتمع.
قلت هذا وأنا أراقب موقفا أعتبره من النوادر، وهو مشهد وداع إحدى الأسر في المطار لعاملتهم المنزلية التي عاشت بينهم أكثر من 30 عاما، لتغادر بقلب معلق بالأسرة التي تربى أغلب أفرادها على يد السيدة التي تغادر اليوم. هذه المفارقة الغريبة التي جعلت من العاملة المنزلية مربية في الوقت نفسه لعدد من أفراد الأسرة، تذكر بالغرابة في العلاقة المجتمعية مع العاملات المنزليات وبعض السائقين الذين يمكن أن تتجاوز أدوارهم المهمة التي قدموا لتأديتها حصرا.
مع تقديري الكبير للحالة الإنسانية والعلاقة العاطفية المهمة التي جمعت بين الطرفين، إلا أنني أرى أن تنكر الأبوين لدورهما الأساس في الأسرة هو ما يقلق من المستقبل الذي قد لا تتوافر للأسرة فيه هذه الكمية من الجِدة، وحينها لا بد أن تتغير الأدوار والمواقف، لتصبح مسؤوليات الأسرة أكثر واقعية كما كان يراد لها في الأصل.
أرجو ألا يفهم من كلامي أن التعامل مع العمالة المنزلية يجب أن يكون حادا أو شاقا بل العكس، فهناك كثير من الأسر التي تطالب العمالة المنزلية بما لا تطيق، وتدفع بذلك إلى تكوين علاقة غير مستقرة، قد تصل إلى السلبية وهي حالات شاهدنا نتائجها كثيرا في السابق وقد لا يخلو منها المستقبل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي