المحاكم التجارية نقلة نوعية لدعم الاقتصاد
شكل الانتقال الأخير لمرجعية القضاء التجاري ممثلا في أعمال المحاكم التجارية، من ديوان المظالم إلى وزارة العدل واحدة من أهم وأكبر النقلات النوعية في القضاء السعودي، وعلى مستوى دعم وتيرة أداء الاقتصاد الوطني بشكل عام، وتحفيز تطور وتقدم بيئة الاستثمار المحلية بصفة خاصة، لما يمثله القضاء التجاري كمظلة بالغة الأهمية، وركيزة أساسية تتولى حماية وصيانة الحقوق والثروات والأموال ومختلف الأصول المتداولة بهدف التجارة والاستثمار.
مسيرة زمنية طويلة جدا؛ استغرقت جهودا كبيرة طوال أربعة عقود مضت حتى تحقق هذا المنجز التنموي المهم، بدأت منذ عام 1401هـ مرورا بالمرسوم الملكي الكريم في عام 1407هـ بإسناد النظر في المنازعات التجارية إلى ديوان المظالم، واستمرار العمل به حتى صدور نظام القضاء المتضمن آلية العمل التنفيذية، التي نصت على إنشاء المحاكم التجارية، باعتبارها القضاء المتخصص للنظر في المنازعات التجارية، التي تتركز اختصاصاها على النظر في جميع المنازعات التجارية الأصلية والتبعية التي تحدث بين التجار، والدعاوى التي تقام على التاجر بسبب أعماله التجارية الأصلية والتبعية، والمنازعات التي تحدث بين الشركاء في الشركات، وجميع الدعاوى والمخالفات المتعلقة بالأنظمة التجارية، وذلك دون إخلال باختصاص ديوان المظالم، ودعاوى الإفلاس والحجر على المفلسين ورفعه عنهم، إضافة إلى المنازعات التجارية الأخرى. وما تتميز به تلك المحاكم المتخصصة تجاريا من توافر السرعة اللازمة لإنهاء تلك النزاعات، ولما تتسم به من إمكانات وكوادر عالية التأهيل، يؤهلها عمليا لدعم قطاع الأعمال وبيئة الاستثمار المحلية، يتوقع بمشيئة الله تعالى أن نشهد انعكاساته الإيجابية على مستوى الإسراع بإنجاز عموم القضايا التجارية والفصل فيها، ومساهمتها في تقليص فترات التقاضي بين الخصوم، وتحسين وتطوير أداء الخدمات العدلية المتخصصة.
يحتل الاقتصاد السعودي مكانته البارزة دوليا وإقليميا، أهلته لأن يكون أحد أكبر عشرين اقتصادا حول العالم (عضو مجموعة العشرين)، جاءت تلك المكانة الدولية المتميزة نتيجة لارتفاع حجم التعاملات والشراكات التجارية والاستثمارية والمالية مع العالم الخارجي، لهذا كان لا بد من الإسراع إلى تطوير القضاء التجاري، الذي سيوفر الارتقاء به دعما وثقة أكبر في الاقتصاد السعودي بصورة عامة، وعلى مستوى بيئة الأعمال ومنشآته بصفة خاصة، يدفع بها نحو مزيد من تطور ونمو تلك الشراكات والتعاملات الخارجية، وبما يسهم في زيادة جذب الاستثمارات الخارجية للاقتصاد الوطني، وقبل ذلك في تحفيز الثروات الوطنية الراحلة للخارج، للاستثمار في البيئة المحلية التي تمتاز في الوقت الراهن بوجود الركائز القضائية والنظامية اللازمة لثقة رؤوس الأموال والاستثمارات.
إنها إحدى أهم النقلات النوعية التي تحققت بعد توفيق الله، بدعم كبير من لدن خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، وبمتابعة مستمرة من كل من وزير العدل رئيس المجلس الأعلى للقضاء ورئيس ديوان المظالم، استغرق تحققها وتحولها إلى واقع ملموس نحو عامين مضيا، تضمنت بذل جهود كبيرة جدا، بدءا من وضع الخطط والبرامج وتشكيل اللجان المشتركة، الهادفة إلى استكمال عملية سلخ القضاء التجاري، وصولا إلى وضعه الراهن بوجود المحاكم التجارية، الذي عبرت عنه وزارة العدل في إعلانها نهاية الأسبوع الماضي، عن بدء مباشرة أعمال تلك المحاكم من خلال إنشاء ثلاث محاكم تجارية في كل من الرياض وجدة والدمام، ودوائر تجارية متخصصة داخل منظومة المحاكم العامة، في عدد من مدن المملكة ودوائر استئناف متخصصة، بالقول إنه سيكفل "الضمانة الأعلى للمتقاضين وسرعة في الفصل في المنازعات التجارية، موضحة أن القضاء التجاري مما سيرفع من كفاءتها ويسهم في سرعة الإنجاز والفصل في القضايا التجارية، وكوادر عمل من القضاة وأعوانهم كفيلة بتحقيق العدالة الناجزة".
إننا على موعد بنهوض نوعي بالغ الأهمية في تنظيم أعمال بيئة الاستثمار المحلية، سيشمل بإيجابيات واسعة جدا إضافة مزيد من الثقة بها، وهو الأمر الذي يوجب على رجال القانون من مختصين ومحامين تسليط الضوء عليه، إضافة إلى الإسراع بتوفير المتطلبات اللازمة لتطوير وتحقيق طموحات قطاع الأعمال محليا، ويسهم في زيادة جاذبية الاستثمار واستغلال فرصه المحلية، التي سينتج عنها مزيد من تنويع قاعدة الإنتاج، وزيادة توفير فرص العمل الكريمة أمام المواطنين والمواطنات، سواء عبر زيادة جذب الثروات الوطنية أو الاستثمارات الأجنبية، ولا شك أنه سينعكس إيجابيا على تعزيز استقرار الاقتصاد الوطني، ويسهم في زيادة معدلات النمو الاقتصادي للوصول بها إلى الأهداف المنشودة. والله ولي التوفيق.