يوم عرفة
يجتمع أكبر عدد من المسلمين اليوم في موقف عظيم تميزه الرهبة والتذلل لله عز وجل. أتوا من كل بقاع الأرض تلبية لنداء الرب العزيز وبحثا عن رضا المولى يحدوهم الأمل في القبول والمغفرة والرحمة. هنا تسكب العبرات وترتفع أيدي الضراعة، يوجه كل منهم دعاءه ورجاءه وتذلـله وخشيتها لله الكريم.
يفاخر الله تعالى بهؤلاء، فهم الذين أتوا تاركين الأهل والولد وكل مباهج الدنيا وزخرفها، مؤمنين ومجيبين للدعوة، هم عباده الذين يشهد ملائكته أنه غفر لهم. هذه النهاية العظيمة لهذا الموقف الرهيب هي ما يجعل الأكف ترتفع والدموع تنسكب والجموع تقطع آلاف الأميال من كل فج عميق.
هذا أعظم الأركان وفيه وقف محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - ليؤكد في خطبته الشهيرة قواعد الدين، وليتأكد من أن أمته استوعبت التشريع وعرفت أسس التعامل فيما بينهم، ليرسخ في قلوب الناس وعقولهم ويتجلى في أعمالهم.
أهم عنصر في تلك الخطبة هو تأكيده - صلى الله عليه وسلم - أن المؤمنين إخوة، وأن اجتماعهم وتفرقهم لا بد أن يحكمه الشرع الحنيف. أكد الإسلام الوحدة والمحبة والتعاطف بين المسلمين في كل مكان. فقد قال نبي الله في خطبته: أليس يوم النحر؟ قالوا: بلى قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا؛ وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.
هنا أنهى النبي الكريم توجيهه للمؤمنين بتأكيد البلاغ حين قال: ألا هل بلغت، ويرد الصحابة: اللهم نعم، فيقول - عليه الصلاة والسلامة -: اللهم فاشهد.
هذه الدعوة وهذا الشهيد الأعظم على كل من حضر، ومن لم يحضر ذلك ما نحتاج إلى تذكره اليوم ونحن نعيش زمنا فقد فيه المسلمون الاتجاه، وعاد كل منهم يبحث عما يبعده عن أخيه، أصبح كل منهم يرفض الآخر لمجرد اختلاف رأي، أو أسلوب طاعة، أو سلوك فردي لا علاقة له بالإسلام والكفر.
إن أهم ما يمكن أن يعود به المسلم من رحلة الحج وقد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، هو حب أخيه المسلم ومؤازرته والبحث عن مناطق التوافق والتلاقي بينه وبين المسلمين الذين شاهد اختلاف لهجاتهم وألوانهم وبلدانهم، ووحدة حبهم لله ورسوله ودينه الحنيف الذي قد يفسره كل واحد بطريقة.