أقوى التحديات الاقتصادية .. الحد من البطالة
يجدر إيضاح أمر في غاية الأهمية، قبل الدخول في تفاصيل الإجابات المحددة عن سؤال المقال السابق "ما التحدي الاقتصادي الأقوى القادم؟". قياسا على التحولات الهائلة التي تجري خلال الفترة الراهنة ومستقبلا للاقتصاد الوطني، سنواجه أكثر من تحد تنموي واقتصادي جسيم، وهو أمر موضوع ضمن الآثار المحتملة للإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، سواء تلك التي بدأ العمل بها، أو تلك المزمع تنفيذها خلال المراحل الزمنية المقررة مستقبلا لتطبيق برامج "رؤية المملكة 2030".
لم يحدث إطلاقا في أي تجربة إصلاحات واسعة النطاق لأي بلد في العالم، إن تمت دون وقوع آلامٍ وآثار عكسية في الاقتصاد والمجتمع، وهنا قد يقول قائل: فلماذا إذن يتم تنفيذ تلك الإصلاحات المؤلمة آثارها؟! ولهذا السؤال كثير من الإجابات، إلا أن أكثرها وضوحا، وأقربها إلى الفهم، أن آثار عدم تنفيذ الإصلاحات ستكون أشد ألما، وأكثر فداحةً وخسارة، مقارنة بأي احتمالات أخرى!
آتي الآن إلى تحديد أقوى التحديات الاقتصادية الراهنة والقادمة، على أن ترتيب تلك التحديات لا يعني التهاون بما سيأتي منها في المرتبة الثانية أو الثالثة .. إلخ، فالمسافات بين تلك التحديات تكاد لا تذكر، لما تتطلب بالضرورة القصوى بذل جهود كثيفة تكاد تتعادل في قدرها، لأجل مواجهة التحديات وآثارها، والتعامل معها بديناميكية وفعالية وسرعة قصوى. من المؤكد أن جهود الحد من البطالة تأتي في مقدمة أقوى التحديات الاقتصادية الراهنة والقادمة، كونها المعضلة التنموية التي تمس تعطل توظيف الشرائح الشابة والفتية من الأفراد، وتشكّل نحو ثلاثة أرباع المجتمع السعودي، ولما يحمله تأخر توظيف تلك القوى العاملة الشابة من خسائر مادية فادحة جدا، عدا المخاطر العديدة اجتماعيا وأمنيا واقتصاديا التي لا يمكن تقديرها بلغة الأرقام.
أنفق الاقتصاد الوطني خلال العقدين الماضيين ممثلا في الدولة تريليونات الريالات على التعليم والتدريب والتأهيل، في الوقت ذاته اصطدم طالبو العمل بمحدودية فرص العمل في السوق المحلية "القطاع الخاص". واللافت بصورة أكبر أن فرص العمل ذاتها، شرع أربابها في منشآت القطاع الخاص في الوقت ذاته مئات الآلاف من الأبواب أمام العمالة الوافدة! لنصطدم جميعا بأحد أقوى التحديات التنموية والاقتصادية على الإطلاق، حيث يقف اليوم ما يقارب المليون باحث وباحثة عن عمل، ثم لا يجدون استجابةً مماثلة أو قريبا منها من قبل منشآت القطاع الخاص، في الوقت الذي تمكنت فيه تلك المنشآت من توفير أكثر من 8.5 مليون فرصة عمل للعمالة الوافدة.
إذا بحث المرء في أسباب وصولنا إلى هذه النتيجة المخيبة تنمويا واقتصاديا؛ سيجد أسبابا عديدة، تتوزع مسؤولياتها على عديد من الأطراف وهي "وزارة العمل، أجهزة التعليم والتأهيل والتدريب، القطاع الخاص، الباحثون والباحثات عن عمل". كتبت وأعيد مرارا وتكرارا كثيرا جدا من الحلول، للخروج من وعثاء البطالة، وقياسا على النتائج التي أمامنا جميعا في الوقت الراهن، بوقوف الاقتصاد الوطني أمام معدل بطالة مرتفع "12.7 في المائة"، وانتظار ما يقارب المليون باحث وباحثة عن فرصة عمل، وصلت نسبة من أمضى منهم نحو عام فأكثر على انتظار فرصة عمل إلى 45 في المائة من الإجمالي، وفقا لبيانات الهيئة العامة للإحصاء. تؤكد النتائج الآنفة؛ أن الحلول المعمول بها حتى تاريخه، لم تكن وفقا لما تحقق من نتائج على أرض الواقع بالقدر الكافي واللازم ذاته!
ما يعني بالضرورة؛ أهمية مضاعفة الجهود المبذولة، وتكثيفها بدرجات أعلى وأكبر من كل ما تم سابقا، لعل ما تجب الإشارة إليه قبل أن أستعرض أهم الإجراءات لمواجهة البطالة، هو تعديل مواد نظام العمل الجديد "74، 75، 76، 77"، التي أفرط القطاع الخاص في تطبيقها على العمالة الوطنية، ما تسبب في زيادة أعداد العاطلين عن العمل. وبالنسبة لأهم الإجراءات فهي كالتالي:
(1) ضرورة وضع برامج خاصة لتوطين "الوظائف القيادية والتنفيذية العليا" في القطاع الخاص، التي زادت فيها خلال الفترة 2011 - 2016 سيطرة العمالة الوافدة على تلك المناصب من 10.4 في المائة بنهاية 2010، إلى أعلى من 40.5 في المائة بنهاية 2016، وتكمن أهمية تسليط الاهتمام والتركيز على هذه المناصب تحديدا؛ كونها المستويات الوظيفية التي تستحوذ على صنع القرار في منشآت القطاع الخاص، وكونها المستويات الأعلى دخلا مقارنةً بغيرها من المستويات الوظيفية الأدنى تأثيرا ودخلا.
(2) التوسع في البرامج الموجهة للمنشآت؛ الذي يتوجه إلى التوطين الشامل والكامل لعددٍ من النشاطات الاقتصادية والتجارية "كتجربة توطين قطاع الاتصالات"، ستساعد بدرجةٍ كبيرة على القضاء على التستر التجاري وانتشار العمالة الوافدة السائبة، حيث توجد نشاطات محلية يجب أن تقتصر في أسرع وقت على المواطنين والمواطنات فقط. ويؤمل التركيز هنا على القطاعات الأكثر جاذبية والأعلى دخلا لدى العمالة الوطنية، وأغلبها يتركز في نشاط الخدمات "تجارة الجملة والمطاعم والفنادق، والنقل والاتصالات والتخزين، وخدمات المال والتأمين والعقارات وخدمات الأعمال، وخدمات جماعية وشخصية، ومنتجي الخدمات الحكومية".
(3) البدء بجدية وفعالية على مستوى تطبيق نطاقات الموزون؛ الذي يتجاوز بتنفيذه الاختلالات الكبيرة التي نتجت عن برامج التوطين السابقة، وما نتج عنه من زيادة خطيرة للسعودة الوهمية، ترتب عليها زيادة مفرطة في استقدام العمالة الوافدة، تجاوزت أعداد التأشيرات الممنوحة لمنشآت القطاع الخاص خلال فترة تطبيق تلك البرامج نفسها سقف 9.5 مليون تأشيرة عمل! ذلك أن برنامج نطاقات أتاح لكثير من منشآت القطاع الخاص عبر تقدمها إلى النطاق الأخضر، إمكانية الفوز بمزيد من تأشيرات الاستقدام بمئات الآلاف.
(4) العمل على إقرار سياسات وبرامج تسهم في تعزيز قدرة القطاع الخاص على تنويع القاعدة الإنتاجية، والتركيز بالدرجة الأولى على نشاط الخدمات، عبر سياسات تحارب احتكار الأنشطة ذات العوائد العالية، وسياسات أخرى تحفز الأنشطة الغائبة عن المشهد الاقتصادي المحلي، إضافة إلى تطوير وتوسيع إجراءات دعم وتمويل المنشآت المتوسطة والصغيرة، والدفع بها نحو مزيد من التمكين والمنافسة، وهي الأدوار والمسؤوليات التي تتجاوز قدرة ومسؤوليات وزارة العمل إلى عديد من الأجهزة الحكومية الأخرى "هيئة دعم المنشآت الصغيرة، هيئة توليد الوظائف".
(5) تأسيس منظومة متكاملة إلكترونية متطورة، للتواصل المستمر بين كل من وزارة العمل والتنمية الاجتماعية ومديري الموارد البشرية والتوظيف "سعودي الجنسية" في منشآت القطاع الخاص، والبدء بالمنشآت العملاقة والكبيرة والمتوسطة، ولاحقا المنشآت الأصغر حجما، تستهدف هذه المنظومة:
أولا: منح مدير الموارد البشرية السعودي، مزيدا من القوة والاستقلالية في مجال عمله، من خلال تفعيل قوة تواصله مع الجهة الحكومية المسؤولة تنفيذا عن التوطين "وزارة العمل"، وبما يحد من السيطرة عليه من قبل من هم أعلى منه منصبا من المديرين والتنفيذيين الوافدين.
ثانيا: رفع فعالية التواصل والرقابة والمتابعة اللصيقة لعمل وزارة العمل، للتعرف فورا على أي معوقات قد تواجه جهود التوطين.
ثالثا: الاستفادة من رؤى واقتراحات مديري الموارد البشرية السعوديين، كونهم الأقرب من غيرهم بخفايا مشاكل وتحديات التوظيف في منشآت القطاع الخاص. وللحديث بقية حول التحديات الاقتصادية الأخرى، والله ولي التوفيق.