مشروع البحر الأحمر اقتصاديا واجتماعيا
يأتي الإعلان عن إطلاق أكبر مشروع سياحي في المملكة، بمسمى مشروع "البحر الأحمر"، المستهدف أن يكون إحدى أبرز المناطق السياحية عالمياً، سيقام في أكثر المواقع الطبيعية جمالا وتنوعا على مستوى العالم، ستقوم المملكة ممثلة في صندوق الاستثمارات العامّة لأجل إنشائه وتأسيسه، بالتعاون مع أبرز الشركات العالمية في قطاع الضيافة والفندقة. وحسبما أفادت التقارير الأولية للإعلان عن المشروع السياحي العملاق، ستتركز الاستثمارات في المرحلة الأولى من تنفيذ وتحقيق هذا المشروع، على تطوير منتجعات سياحية استثنائية، تتوزع على أكثر من 50 جزيرة طبيعية، تتمركز مواقعها فيما بين مدينتي أملج والوجه الواقعتين على البحر الأحمر (الجهة الغربية من البلاد)، المواقع التي تفصلها مسافات قصيرة عن إحدى المحميات الطبيعية في المملكة، والبراكين الخاملة في منطقة حرّة الرهاة.
تبرز أهمية المشروع اقتصادياً واجتماعياً، من كونه على المستوى الاقتصادي يرتبط بقطاع السياحة، الذي أصبح يشكّل من الاقتصاد الوطني نحو 12.6 في المائة (2016)، إلا أن السياحة المحلية لا تتجاوز سقف 3.9 في المائة، مقابل وصول السياحة للخارج إلى نحو 8.7 في المائة من إجمالي الاقتصاد الوطني. وبالنظر إلى مقارنة الإنفاق على السياحة المحلية من قبل السعوديين خلال العقد الماضي، ومثيله على السياحة المغادرة للمملكة، تظهر أحد البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للسياحة والآثار، أن الإنفاق المحلي تراجع من 48.0 مليار ريال بنهاية 2015 إلى نحو 45.0 مليار ريال بنهاية 2016، أي بنسبة انخفاض 6.3 في المائة. في المقابل ارتفع إنفاق السعوديين على السياحة المغادرة للبلاد من 84.0 مليار ريال بنهاية 2015، إلى نحو 99.0 مليار ريال بنهاية 2016، محققاً نسبة ارتفاع بلغت 17.9 في المائة. أمّا في منظور العقد الماضي 2005 ــ 2016؛ فقد بلغ إجمالي الإنفاق على السياحة المحلية 432.6 مليار ريال، مقابل إجمالي إنفاق على السياحة للخارج للفترة نفسها وصل إلى نحو 602 مليار ريال.
في جانب آخر مهم؛ وصل إجمالي الإنفاق على السياحة الوافدة من الخارج للمملكة إلى نحو 92.0 مليار ريال بنهاية 2016، ووصل مجموعه خلال العقد الماضي 2005 ــ 2016 إلى نحو 527 مليار ريال، تركّز أغلبها بنسبة كبيرة على زيارات الحج والعمرة السنوية من خارج البلاد.
يؤمل أن يعزز وجود هذا المشروع السياحي العملاق، من ارتفاع حجم الاستثمارات في القطاع السياحي المحلي، وإيجاد قنوات استثمار محلية مجدية وذات عوائد مجزية على رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية، وأن يسهم في إيجاد عشرات الآلاف من الفرص الوظيفية للمواطنين والمواطنات كأثر مباشر، وأن ينتج عنها أضعاف تلك الأعداد من الوظائف في القطاعات الاقتصادية الأخرى ذات العلاقة، وأن يسهم أيضاً في تعزيز التدفقات المالية على الاقتصاد الوطني، عبر السياح المستهدفين من أنحاء العالم كافة، وأن يحد من تدفقات الأموال للخارج عبر السياح السعوديين المغادرين سنوياً، وكل ذلك يؤمل أن ينعكس إيجاباً على النمو الاقتصادي المحلي، ويضيف مزيدا من القيمة المضافة للاقتصاد، ويمنحه كثيرا من فرص الاستقرار وتنويع قاعدته الإنتاجية.
يجب النظر إلى مشروع البحر الأحمر وفق المنظور الشمولي لما تقوم به المملكة خلال المرحلة الراهنة، التي تتحرك وفق "رؤية 2030"، الهادفة إلى تعزيز استقرار اقتصادها وتنويع قاعدته الإنتاجية، على طول البلاد وعرضها، وأن ورقة مشروع البحر الأحمر إحدى أوراق عمل كثيرة جداً، يتم العمل على تدوين حبرها ومنجزها، وأنها تأتي ضمن منظومة مشروعات تنموية عملاقة وطموحة، تستهدف الانتقال بمقدرات اقتصادنا الوطني وبموارد مجتمعنا الفتي، إلى مواقع أوسع وأفضل على مستوى الخيارات، تتمتع بمزيد من الاستقلالية والأرض الصلبة بعيداً عن تقلبات أسواق النفط.
الجميع يترقب بطموح مشروع، أن يتمخض عن هذا المشروع السياحي العملاق وغيره من المشروعات التنموية العملاقة الأخرى، كثير من الفرص المتنوعة أمام المستثمرين والأفراد المواطنين على حد سواء، ينالهم منها الحظ الأوفر والأكبر على مستوى توظيف الأموال والثروات الوطنية، وتعزيز استقرارها محلياً في قنوات استثمارية مجدية، ينتج عنها مزيد من فرص العمل الكريمة ذات الدخل المنافس للمواطنين والمواطنات، بما يحسن من مستويات معيشتهم مادياً واجتماعياً، ومجرد أن تتحقق مثل تلك الأهداف التنموية المشروعة، فإنه يعد منجزاً لا ينافسه أي إنجاز آخر، دع عنك المكاسب الأخرى الإضافية المرتقبة، بدءاً من ازدياد تدفقات الاستثمارات الأجنبية، وما يتطلبه كل ذلك من ضرورة ضخ مزيد من الاستثمارات على البنى التحتية، ورفع جودة خدماتها ومستوياتها، وخفض التدفقات المالية للخارج، الذي سيؤدي في مجمله إلى تحسين أداء الاقتصاد الوطني، وزيادة قدرته وخياراته على النمو بمعدلات أسرع بإذن الله تعالى.