إلغاء التسول
أبدأ بتعريفكم بحال مسلمي سنغافورة، حيث يقوم الأغنياء بدفع زكاتهم إلى منظمة تديرها من خلال الدفع بها للمستحقين على شكل برنامج متكامل لتطوير المجتمع المسلم. يتم الدفع بالزكاة للمستحقين على شكل خدمات تشمل دفع تكاليف التعليم والضمان الصحي وتأسيس الفرص الوظيفية على شكل محال تجارية أو دعم للمهارات أو توظيف للقدرات لمن هم في حاجة.
ينتج عن العملية إيجاد فئة قادرة على دفع الزكاة خلال فترة قد تصل في أقصاها إلى سبع سنوات. المهم أن مستحق الزكاة يتحول إلى دافع للزكاة خلال هذه الفترة، وهو ما يسمح بتقديم العون لمحتاجين جدد كل بضع سنوات. نظام التكافل هذا يعطي الصياد الصنارة بدل أن يمنحه سمكة، أمر يستحق الإشادة.
أشاهد باستمرار الكثير من المتسولين الذين لا يعلم من يقدم لهم المال أو الأجهزة أو الخدمات مآل ما يقدمه. يدفع الشك الكبير الحالي بمآل هذه الصدقات والزكوات إلى إعادة التفكير في حال من يتسولون في كل مكان، بعد أن انتشر كثير من الأجانب غير النظاميين والنظاميين عند إشارات المرور والمساجد بشكل يسيء لشكل ومفهوم الوطن الذي بني على الإسلام - دين التكافل الحقيقي.
نحتاج اليوم إلى بناء منظومة تقوم بالدور المجتمعي الذي يقوم به المجلس الإسلامي في سنغافورة من حيث تأمين حياة المحتاجين من المواطنين وتوفير متطلباتهم الفورية والمهمة، وبالتالي العمل على إيجاد قاعدة توظيف تمكنهم من العمل والكسب للخروج من الحاجة قدر الإمكان.
ولنا في تاريخ الإسلام شواهد كثيرة، لعل أشهرها ما كان في عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، عندما لم يجد بيت المال محتاجا يستحق الزكاة، فنشر الحب في رؤوس الجبال لتصل الصدقات إلى الطير والحيوان بعد أن استغنى الإنسان. القول المشهور عن حتمية استغناء كل الناس لو دفع كل المقتدرين من المسلمين زكواتهم لمصارفها الطبيعية صحيح، لكنه يجب أن يؤكد ضرورة إخراج المحتاج من دوامة البحث عن مصدر العيش إلى مجال أوسع يمنحه الثقة بالذات والاحترام اللذين يحققهما أكله من كسب يده، وتنشئة أبنائه وبناته بعيدا عن سؤال الناس، سواء أعطوه أو منعوه، وتحذير المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من مد اليد للسؤال خير حافز لكل من يريد أن يأكل من كسب يده.