متطلبات الدعوة

يحكي لي أحد الزملاء عن حساسية كثيرين عندما يتطرق الأمر لمن يعظون الناس، ويحملون مسؤولية توجيههم الوجهة الصحيحة التي ترضي خالقهم. الحساسية تأتي في طرفين حادين؛ أحدهما ينتقد كل شيء، والآخر يمدح كل شيء لدرجة أنك لا تستطيع أن تجد من يقف في المنتصف إلا فيما ندر.
أقدر لكل طرف وجهة نظره التي كونها بناء على تجاربه، فمن يرى أن أعراض العلماء مسمومة يأتي من مبدأ مهم، وهو رفض الفرقة، ومحاولة إعطاء الحصانة لمن يمثلون الدين، ويعملون على نشره بين الناس. يمكن كذلك أن نبرر موقفاً كهذا بمخافة الله، والقناعة المتأصلة لدى الأغلبية أن كل من يعمل في هذا الشأن إنما يعمل فيه لوجه الله، ورغبة في رضاه سبحانه، ولهذا يمكن أن نقبل بالهفوات؛ لأن مناقشتها وتعظيمها قد يؤدي إلى ما هو أسوأ منها.
وجهة النظر هذه مبنية على ضرورات مهمة، أساسها حسن النوايا في الجميع، وتأكيد أنه ليس هناك أي تحزب أو دفع أو تأثر بنظريات أو مجموعات تعادي الدين، وهو أمر يلزمنا أن نبحثه مع التغييرات الديموغرافية والمذهبية والسياسية التي تغري باستغلال الرموز في تحقيق أهداف لا علاقة لهم بها.
يأتي المتطرفون في الجهة المقابلة ممن يميلون إلى تغليب الشك، وعدم الثقة قبل التفكير في غيرهم. هؤلاء هم نتاج التعامل غير القويم من قبل أشخاص أو منظومات مع المجتمعات والأفراد. الأكيد أن هناك الكثير من الاتهامات التي يمكن أن تثار في زمن كهذا، والقليل من التبرير الذي يقبل ممن استغلوا الناس لفترة أو فترات من حياتهم حتى إن حاولوا أن يغيروا الصورة التي ولّدتها مواقف معينة عنهم.
لكننا لا يمكن أن نغفل أهمية تكوين قواعد معينة تطبق على من يأخذون على عواتقهم مسؤولية توجيه المجتمع، قواعد يجب أن تطبقها جهات رسمية تعطي الإذن لمن يحمل العلم الكافي والفكر القويم والقدرة الجاذبة للوقوف على المنبر وتوعية الناس حيال ما يتجاذبهم من المفاهيم والتعقيدات والتحديات التي تستمر في الظهور كل يوم.
مع الجاذبية والعلم، لا بد من وجود القدرة على فهم المؤثرات الحديثة التي تسيطر على حياة الناس، لتحويلها إلى عناصر تسهم في تماسك المجتمع وحمايته من الأخطار الأمنية والفكرية التي لا يمكن إغفالها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي