النصيحة
بدأت أمس سرد قصة شاب اختاره أهل مسجد لأداء صلاة التراويح لحسن صوته. بدأ المصلون يتقربون من الشاب، حتى الأطفال أصبحوا يسلمون عليه ويقبلون رأسه بعد الصلاة. التعامل الجديد كان صادما للشاب البسيط، الذي لم يكن أحد يلاحظه. أصبح الشاب يبكر في الصلوات الأخرى ليحظى بموقع الإمامة وينال مزيدا من الراحة والدفع المعنوي أثناء وبعد الصلاة.
فوجئ المصلون بعد أيام بمن يتحدث قبل صلاة العشاء، ويقرأ موعظة على جماعة المسجد من أحد الكتب، وهو أمر لم يتعودوه في مسجدهم؛ إذ إن العرف الذي يسود في رمضان أن يؤذن للعشاء، وتقام الصلاة بعد الأذان بخمس دقائق. كان الشاب “الإمام” يقرأ من الكتاب والناس تنصت له، بعد فترة قصيرة أقيمت الصلاة.
لم يكتف الشاب بموعظة ما قبل الصلاة، بل جذب إلى فمه اللاقط، وبدأ يتحدث بعد الصلاة عما يفعله بعض المأمومين من أخطاء، واستعجالهم في الصلاة، وضرورة أن يتقبلوا ما كان يدعو به، وألا يتعجلوا الخروج من المسجد بعد الصلاة، عملية نقد استهلكت بعض الوقت، لكنها أكدت أن هناك حالة جديدة من التناقض الذي توجده سلوكيات المجتمع مع مكوناته.
كم النقد الذي وجهه الشاب للمصلين، قد يؤدي إلى ردود فعل سلبية، والاعتقاد السائد عند بعض الشباب أن التخويف والترهيب سيؤديان إلى تحقيق الأهداف، وضمان عودة من فقدوا الاتجاه جزء أول من تكوين الشخصية الخطرة التي قد تنفر كثيرين ممن رقت قلوبهم، وحاولوا التقرب من ربهم خلال الشهر الفضيل.
في الإطار نفسه، يأتي الكثير مما نشاهده اليوم من نصائح وتوجيه باستخدام غير المناسب من الألفاظ والمواقف. دعوة من يصلون في المسجد لأداء الصلاة والتعريف بأهميتها مكانه ليس المسجد بالتأكيد، ومثله الكثير من التجاوزات التي نقع فيها من استخدام الخوف وسيلة للوعظ.
دعوت المسؤول عن المسجد إلى الحديث مع الشاب، وإعادة ضبط قناعاته، وتأكيد أنه ما لم تتوافر شروط معينة في الواعظ، فإنه قد يفقد من يستمعون إليه، بل قد يكون معه أعداء للمبادئ التي يحاول أن ينشرها في المجتمع. شروط مهمة لا بد أن يبحث عنها من يرشحون للوعظ وتوجيه الناس، يمكن أن تكون الخطوة الأولى في تأكيد الخيارات المطلوبة لمن يعملون في مجال توعية الناس... وهو ما يمكن أن أطرقه في حديث الغد.