المعارف والمدارك
حديثي أمس عن الصعوبات التي يواجهها الفرد وهو ينمو في مراحل عديدة، ينطبق على كل المراحل التالية. تحولت المجتمعات إلى ما هي عليه من خلال العملية ذاتها. ولهذا فإن المجتمعات التي تمر بتجارب أكثر تكون قناعات أكثر رسوخا. يمكن أن ننظر على هذا وكأنه دعوة للانفتاح على العالم والتعرف على التجارب المختلفة دون إصدار أحكام محددة قبل تفهم من أين جاء الآخر ولماذا أصبح على ما هو عليه.
على أن أغلب التجارب الإنسانية التي تؤدي إلى تكوين القناعات تكون صعبة وسلبية وأكثر دموية في حالات كثيرة، ولهذا تنشئ قواعد راسخة يصعب معها تغلغل الفكر المخالف، الذي قد يكون سلبيا أو إيجابيا. أوروبا مثال مهم على أن المجتمعات تصل لمرحلة السلام مع الذات بعد صراع طويل، لكنها ما لم تتمكن من استيعاب الدروس والبناء عليها، ستكون عرضة للمخاطر من جميع الجهات.
أعود للفرد وأهمية توعيته وبقائه ضمن منظومة التعلم لأطول فترة ممكنة. هنا تتضح أهمية الدعم الأسري والمجتمعي للبقاء في هذه المنطقة المهمة. لعل أهم نقطة تحفظ رغبة الفرد في مرحلة التعلم هي التفهم الذي يبديه الأشخاص المؤثرون في الفرد في مجتمعه الصغير بالدرجة الأولى. إن التفهم الذي يتقبل الأخطاء ويشرح علاجها بالإقناع، ويستوعب الاختلاف ويتقبل الرأي المعاكس يضمن استمرار الصغار في هذه المنطقة المهمة.
هذه الأزمة تعانيها مجتمعات كثيرة، ولعل أكثر المجتمعات التي تواجه التعجل الخطير في الهروب من مرحلة التعلم لمرحلة التغيير هي المجتمعات الإسلامية التي تعاني في كثير من حالاتها تأثير فكر مستوعب للمخاطر وفاهم للعواقب ومتأكد من قناعاته الدينية والأخلاقية، لكنه غير قادر على تفهم مكوناته الأصغر سنا، وغير مستوعب لأهمية الإقناع في قبول المبادئ التي تعتبر راسخة لدى الكبار.
ليس في ديننا أو تكويننا المجتمعي ما يعيبه، بل إن الدين الإسلامي هو قمة الخلق والمنطق والعقلانية في التعامل مع الأمور كلها إذا ما نظرنا إليه كوحدة واحدة ضامة لكثير من المتغيرات والأفكار. إذا ما تمكنا من فهم التاريخ الذي مر به أسلافنا والتحديات التي واجهتهم، وقمنا بنقل مفاهيمها بطريقة جاذبة لصغارنا فسنحصل على أفضل النتائج. لكن المهم هو أن نتفهم ما يحتاج إليه الجيل الجديد ونبقي لديهم الرغبة في مزيد من المعرفة والعلم ليبقوا بعيدين عن الحدة الخطيرة.