مراحل نمو المجتمع
تعاني مجتمعات اليوم إعادة تكوين العلاقات بين مكوناتها بشكل جدي. الهوية الجديدة تتشكل بناء على معايير مختلفة وبناء على معطيات أكثر تعقيدا مما سبق بكثير.
الأسرة الغربية التي تفاعلت مع التقنية والتطور العلمي في مراحل مبكرة من القرن الماضي، لم تعد قادرة على التفاعل بنفس المستوى والسرعة؛ بسبب ما تواجهه من إشكالات جديدة لم تكن قد قدمت لها الحلول المبكرة. يمكن القول إن الليبرالية الاجتماعية التي نتجت – بالضرورة – عن تعقيد المتغير في المجتمع، وزيادة التحديات التي يواجهها بكل مستمر، بدأت تفقد القدرة على تبرير أو تقبل الكثير مما نشاهده اليوم.
عودة إلى مصطلحات اجتماعية قديمة هو ما يميز الكثير من المجتمعات اليوم، السبب الأهم في هذه الحالة المستجدة هو فقدان التوازن النفسي للمجتمعات. حياة المجتمع هي مراحل يمكن خلالها أن يتبنى الواحد مفاهيم معينة لفترة محدودة، وفي مرحلة معينة هي مرحلة النشوء والتغير، لكننا حين نصل إلى مرحلة النضج – كما هي حال الإنسان – نبدأ في ترسيخ قناعات معينة والدفاع عنها بحكم نشأتها فينا ونشأتنا فيها.
أزعم أنه لا تفسير لدي لحالة الرفض الاجتماعي الحالية للكثير من المستجدات سوى هذه. ما نشاهده اليوم في مجتمعات كانت تعزو لنفسها القدرة الجبارة على تبني التغيير وتقبله، بل المشاركة في صنعه يثبت نظريتي هذه. عندما نتحدث عن التغيير الذي يجعل متوسطي العمر يعودون إلى بيت العائلة بدلا من الاستقلالية التي كانت تميز الحياة في الغرب مثال جيد.
هنا نكتشف أن الأسرة التي كافحت لعقود لتكوين شخصية مستقلة للأبناء، تعود عن هذا التوجه لتبني داخلها عشا جديدا يعود الأبناء والبنات إليه حتى سنوات الزواج وما بعدها. الهاجس الأكبر الذي يدفع لهذا الحال هو انعدام الثقة بمخرجات الأسرة سواء في نواحي التربية أو القدرة على التأقلم.
هنا تتضح لنا بعض المزايا التي يحملها الفكر المتوازن البعيد عن مقاومة الواقع الاجتماعي. هذا الجزء المهم الذي يبني أسسه على العلاقات التي أوجدها الله في المجتمعات الإنسانية، وأسهمت في ترسيخها الشرائع السماوية التي تحث على المحافظة على حسن العلاقة داخل البيت، واستمرار ذلك النهج في الخارج.
الأزمة التي تواجه المجتمعات اليوم ستعيدها إلى قواعدها بعد أن ظنت أنها تستطيع أن تعيش بعيدا عن طبيعتها البشرية، وهنا يتأكد دور الدين والعلاقات الإنسانية في صحة الفرد والبيئة التي يعيش فيها.