العطاء الأمثل

الحديث عن الجمعيات الخيرية حديث ذو أهمية خاصة، ذلك أن كثيرا من الأعمال الخيرية التي تنتشر في البلاد تعالج قضايا مهمة، وتسهل التعامل مع حالات قد تكون مكررة. هنا تصبح عملية التصنيف والرقابة ضرورة لإيصال المجتمع إلى حالة التواد والتراحم الأمثل حيث يتحقق لكل واحد مطلبه بطريقة تضمن الاستفادة القصوى من الاستثمار في العمل الخيري.
يعشق الشعب السعودي العمل الخيري، ولكننا لا نبدع في المجال حيث إن الإحصائيات التي يتم تداولها لا تحقق القدر الكافي من المعلومات لمن يريدون أن يبذلوا في المجال، كما لا توجد وسائل لتطوير الإبداع في مجال الخدمات الإنسانية.
استمرار مفهوم الصدقات التي لا تضمن أن يقف المحتاج على قدميه ويصبح عنصرا فاعلا بعد سنوات من حاجته، ليتحول إلى باذل بدل أن يظل سائلا، يجعل العمل الخيري أقرب للرتابة، ولا يحقق مفهوم الاستثمار في المجال الذي يمكن أن يحول النشاط إلى حالة مختلفة من العطاء العلمي المقنن المبدع.
أذكر أنني شاهدت مقطعا لمسؤول كان يتحدث في جلسة تعيينه على رأس وزارة عن تجربة أسرته مع الحاجة. قدم أحد التجار الهنود لأسرة الشاب المحتاج مبلغا شهريا يوفر لهم حاجتهم بينما يكمل الطالب دراسته في الجامعة. بعد أن تخرج الشاب توجه للتاجر الهندي ليسدد له المبالغ التي كان يسلمها لأم الشاب كل شهر.
فوجئ الشاب برفض التاجر أن يأخذ المبلغ وإنما قال له إن رد جميلي هذا هو أن تقوم بمثل هذا العمل لمحتاجين آخرين. بكى الوزير وهو يتذكر تلك القصة فهي مبكية فعلا، لكن العبرة فيها هي أن الرجل مستمر في تقديم العون لشخصين، وكلما استقام أمر أحدهما بحث عن غيره ويستمر عطاؤه وعطاء كل من يستفيدون منه بعد أن يصبحوا قادرين على العطاء.
إعانة المحتاج على أن يتخلص من مشكلته التي أوصلته للحاجة، لا تكون إلا بإخراجه من الحال التي هو فيها. لذا فإن مجرد تسديد الفواتير ودفع الإيجار وتقديم الأموال دون تحر وتحديد هدف نهائي يضمن أن يصبح من يحتاج إلى هذا الأمر قادرا على أدائه في مقبل الأيام، غير مفيد. نشر ثقافة العطاء المقنن الذي يلغي الفقر والحاجة موضوع حديثي غدا بحول الله.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي