قسوة القلوب
حديث أمس عن مواقع التواصل والتغير السلوكي الذي يطول الجميع فيها وبسببها، يتواصل اليوم بطرق قضية مهمة أثارها حديثي مع أخ أكبر أعجبه بحثي الدائم في إبعاد هذه الوسائل عن التأثير المباشر في أسرنا. ذكر لي خطورة تأثير هذه الوسائل في العطف والمودة داخل البيت الواحد.
كلما نظرت في الحال التي نعيشها في البيت أو في أي مكان يوجد فيه الناس، يتأكد لدي أن الناس تعلقوا بهذه الأجهزة لدرجة أفقدتهم القدرة على الحكم والمحافظة على التواصل الذي يدعم العلاقة البشرية. أنواع التواصل البصري والجسدي واللفظي التي حكمت العلاقات البشرية ودعمتها كجزء من تركيبة الإنسان تتلاشى اليوم بشكل سريع.
كثير من المتعلقين بالأجهزة يفقدون قدرتهم على التواصل الطبيعي ويفضلون الابتعاد عن الناس، بل إن كثيرا منا قد لا يشاهد صاحبه ويفضل أن يهاتفه أو يراسله بدل أن يقف معه ويتحدثان كما كان يحدث في الماضي. فقدان الإحساس المادي بالآخر ينتزع صفات بشرية مهمة منها الرحمة والتعاطف والمودة.
النظر للآخرين من خلال الشاشات يؤدي غالبا إلى تحويلهم إلى مستويات لا تعتمد على العلاقة الأسرية التي تربطهم بنا أو الأهمية الاجتماعية، بل تحكمها عناصر منها قدرتهم على جذب الانتباه بما يفعلونه أو يكتبونه في المواقع. يجسد أمر كهذا بعض المشاهير في مواقع التواصل الذين يبحث عنهم الناس ويتابعون أخبارهم ونشاطاتهم برغم أن لا علاقة تربطهم بهم، بل وقد يختلفون عنهم في كل شيء.
يؤثر التنافس والمتابعة المستمرة للمشاهير في كم التفاعل مع الأسرة، ولعل ما يجمع كثيرين منا اليوم لا يتجاوز أداء الواجب الذي نؤديه مجبورين في بعض الأحيان، لكن ترافقنا الأجهزة في كل الأحوال. ترسخ هذه الإشكالية يجعلك تجلس في مجلس واحد فيه مجموعة كبيرة من الناس كل منهم في عالم مختلف.
انعدام الرابط بين الموجودين في المكان الواحد يولد القسوة التي شكا منها صديقي، وشاهدها في كثيرين ممن حوله، ولعل القارئ يستطيع أن يربط هذا الأمر بأمثلة كثيرة في من حوله من الناس والأنشطة والاهتمامات. إذا سلمنا أن هذه القسوة مع ضغط الابتعاد والحدية في الوجود أدت إلى نخر العلاقات وتحويل الناس بعيدا عن القيم الأساس التي كانت المميز الأهم لمجتمعاتنا. فهل من طريق رجعة؟