رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الصناعات العسكرية .. وبناء منظومة اقتصادية جديدة

المملكة اليوم تعتبر من أكثر الدول إنفاقا على الدفاع في العالم، قد يكون البعض في فترة ماضية يجد في هذا الحجم من الإنفاق مبالغة تستنزف جزءا من الناتج المحلي الذي يمكن أن ينفق على مجالات أخرى أكثر أهمية إلا أن الأزمات المتواصلة التي تعصف بالمنطقة برهنت على أهمية العناية بالقدرات الدفاعية للمملكة التي تحتضن الحرمين الشريفين قبلة المسلمين وتهفو قلوب الملايين للوصول إلى هذه الأرض التي أصبحت بحمد الله على مدى عقود تنعم بالأمن والرفاهية اللذين انعكسا على قاصدي بيت الله من كل فج عميق.
لا شك أن الصناعات العسكرية اليوم تكلفتها عالية جدا وتزداد تكلفة الصناعات العسكرية في أوقات الأزمات ولا تعترف بالوضع الاقتصادي السائد في العالم بل إنها قد تزداد تكلفة في الظروف الأصعب اقتصاديا بسبب زيادة احتمالات الأزمات السياسية والأمنية، والمشاهد اليوم ـــ بحمد الله ــ أنه رغم الأزمات السياسية والعسكرية التي تشهدها المنطقة والعالم بصورة عامة إلا أن المشهد في دول الخليج مختلف تماما.
القدرات الدفاعية لها مجموعة من الأهداف لا تقتصر على القدرات في مواجهة الأعداء بل هي تكسب المملكة هيبة عند كل من يفكر في تهديد أمنها واستقرارها، وقدراتها الدفاعية عززت من روابطها مع دول الجوار الشقيقة في المنطقة، والحديث عن أهمية القدرات الدفاعية لا يقتصر على الجانب العسكري بل إنه يتعدى إلى الجانب الأمني والسياسي والاقتصادي، إذ إن إعلان صندوق الاستثمارات العامة إنشاء شركة صناعات عسكرية وطنية جديدة تحمل اسم الشركة السعودية للصناعات العسكرية يمثل خيارا يحقق توازنا في الإنفاق على بناء المنظومة الدفاعية والاستمرار على تخصيص ميزانية مناسبة لوزارة الدفاع وفي الوقت نفسه الكفاءة في الإنفاق بما يحقق الانخفاض في التكلفة واستدامة الإمكانات العسكرية والتخفيف من حجم الضغط السياسي على المملكة والتحوط من التقلبات السياسية حتى في الدول الكبرى التي أصبحت سمة لهذه الفترة التي يشهدها العالم والتي كان لها أثر سلبي في تحقيق الاستقرار في بعض الدول في المنطقة وإيجاد بيئة خصبة للإرهاب والجريمة.
الصناعات العسكرية جاءت واضحة في "رؤية المملكة 2030" بالإعلان عن الاستثمار فيها بما يمكن من تلبية ما حجمه 50 في المائة من احتياج المملكة من الصناعات العسكرية، كما أنها تهدف إلى الوصول بالشركة إلى مصاف أضخم الشركات العالمية في صناعة الأسلحة ويتوقع للشركة ـــ كما جاء في صحيفة "الاقتصادية" في عددها بتاريخ 22 شعبان 1438هـ ـــ "أن تكون ضمن أكبر 25 شركة صناعات عسكرية عالمية مع حلول عام 2030، بما يجعل السعودية شريكا قويا في قطاع الصناعات العسكرية على الساحة العالمية. ويتوقع أن تبلغ مساهمة الشركة المباشرة في إجمالي الناتج المحلي للمملكة أكثر من 14 مليار ريال سعودي، كما ستخصص الشركة نحو ستة مليارات ريال سعودي للاستثمار في عمليات البحث والتطوير، وستوفر الشركة أكثر من 40 ألف فرصة عمل في المملكة، معظمها في مجال التقنيات المتقدمة والهندسة. كما ستسهم الشركة في توليد أكثر من 30 ألف فرصة عمل غير مباشرة وتوفير المئات من الشركات الصغيرة والمتوسطة. ولضمان توطين مثل هذه المهارات وتنمية الكفاءات السعودية واستبقائها، تخطط الشركة للإعلان عن عدد واسع من برامج وفرص التدريب والرعاية للطلاب في الجامعات والكليات التقنية والفنية في جميع مناطق المملكة".
فالملاحظ هنا من الإعلان أن المسألة ليست فقط بناء مصنع بل بناء منظومة اقتصادية فيها إنتاج وتوظيف وتدريب وإنفاق على البحث العلمي، ومن هنا تأتي أهمية المبادرة إلى التكامل في العمل بين الجهات المتعددة في المملكة لتحقيق هذا الهدف خصوصا مع وجود استثمارات في قطاع التعليم والبحث العلمي حاليا التي يمكن توظيفها بالتكامل مع الجهات المتعددة في المملكة مثل الجامعات المتخصصة في الهندسة وكليات التقنية ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، كما أن من المقترح لهذا القطاع وغيره من القطاعات التي تعتني بها "رؤية المملكة" أن تكون هناك برامج لإعادة تأهيل بعض الخريجين الذين لا يجدون فرصا تتناسب مع تخصصاتهم.
فالخلاصة إن إعلان إنشاء الشركة السعودية للصناعات العسكرية عبارة عن بناء منظومة اقتصادية جديدة تتطلب التكامل بين الجهات المتعددة خصوصا في قطاع التعليم والتدريب والبحث العلمي التي ينبغي أن تتواءم خططها وبرامجها وفق "رؤية المملكة"، كما أن الاستثمار في هذا القطاع سيحقق مكاسب اقتصادية وسياسية وأمنية واستدامة أسباب الاستقرار في بلاد الحرمين في ظل التقلبات السياسية في العالم والأمنية في المنطقة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي