معالم طريق «رؤية المملكة 2030»
حمل الإفصاح الأخير الصادر عن مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، كثيرا من الإجابات الواضحة الدقيقة حول المشروع الضخم لـ "رؤية المملكة 2030"، وهو الأمر الذي سيعزز كثيرا من جهود التقدم فترة بعد فترة على طريق تحقيق "الرؤية" على أرض الواقع، للأهمية القصوى التي تحملها شفافية إنجاز "الرؤية" وبرامجها التنفيذية حسبما تم إعلانه، تحديدا للشركاء الفاعلين ممثلين في أفراد المجتمع وكيانات القطاع الخاص.
اكتسب العمل المشترك المتعلق بترجمة "الرؤية" وبرامجها على أرض الواقع، وإيضاح الآلية التكاملية لعمل الدولة وأجهزتها العامة وشركائها، أهميتها من خلال ما قامت به من تحديد لدرجة ارتباطها ومسؤولياتها حسب كل لجنة وجهاز عام، إضافة إلى تسلسلية أداء المهام والأعمال، وأن كل تلك الإجراءات والمهام ستقترن بأعلى درجات المتابعة والمراجعة والمراقبة والشفافية، فلن تكون معامل تحقيق "رؤية 2030" وبرامجها جميعا داخل صناديق عمل مظلمة، بل على العكس من ذلك؛ ستكون تحت ضوء رقابي وتدقيق داخلي من قبل اللجان والمكاتب التابعة لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، وفي الوقت ذاته سيكون عملها وجهدها مثبتا ومعلنا، يتم تقديمه للرأي العام وبقية أفراد المجتمع بصورة منتظمة ومستمرة، وأنه لا توجد أسرار أو غموض فيما يتعلق بتحقيق هذا المشروع الوطني التنموي العملاق، فالجميع هنا من مواطنين ومقيمين على هذه الأرض الخيرة دون استثناء لأحد شركاء حقيقيون، ونجاحه مسؤولية الجميع، والأهم من ذلك أن ثماره وعوائده المرتقبة أيضا حقٌ للجميع دون استثناء.
تجلت معالم طريق تحقيق وتنفيذ "رؤية 2030" في 12 برنامجا تنفيذيا، يمكن استعراضها باختصار فيما يلي: (1) برنامج التحول الوطني: يمثل نقطة إطلاق المبادرات المحققة للأهداف الاستراتيجية لـ "رؤية 2030"، وفق آليات تخطيط الموارد البشرية والمالية والتقنية، على مستوى 24 جهة حكومية تابعة لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. (2) برنامج التوازن المالي: الذي يستهدف الوصول إلى ميزانية متوازنة، وبناء مالية حكومية مستدامة وقوية، وتنويع مصادر دخلها، بالاعتماد على إجراءات محددة لتعظيم الاستفادة من المكاسب والفرص، والأخذ في الاعتبار الآثار المحتملة لبعض تلك الإجراءات على معيشة المواطن، سيتولى امتصاصها من خلال "حساب المواطن"، إضافة إلى امتصاص الآثار المحتملة على القطاع الخاص، من خلال تخصيص نحو 200 مليار ريال لأجل توفير الدعم اللازم له.
(3) برنامج الإسكان: الذي يستهدف توفير حياة كريمة للأسر السعودية، وتمكينهم من تملك المساكن، وفق احتياجاتهم وقدراتهم المالية. وتطوير القطاع السكني والإنشائي بأحدث تقنيات البناء، وتعظيم أثره الاقتصادي، وتعزيز جاذبيته للقطاع الخاص، بما يسهم في إيجاد مزيد من فرص العمل، وتمتين القاعدة الاقتصادية للمملكة. (4) برنامج خدمة ضيوف الرحمن: سيتيح الفرصة لأكبر عدد ممكن من المسلمين لأداء فريضتَيْ الحج والعمرة والزيارة على أكمل وجه، وإثراء وتعميق تجربتهم، من خلال تهيئة الحرمين الشريفين، وتحقيق رسالة الإسلام العالمية، وتهيئة المواقع السياحية والثقافية، ما سيعزز بدوره من العلاقة مع القطاع الخاص وتحسين بيئته. (5) برنامج تحسين نمط الحياة: بالاعتماد على تهيئة البيئة اللازمة لدعم واستحداث خيارات حياتية جديدة، تعزز مشاركة المواطن والمقيم في مختلف الأنشطة التي تسهم بتعزيز جودة حياة الفرد والأسرة، وتوليد الوظائف، وتنويع النشاط الاقتصادي، وتعزيز مكانة المدن السعودية في ترتيب أفضل المدن العالمية. (6) برنامج تعزيز الشخصية السعودية: تنمية وتعزيز الهوية الوطنية للأفراد، وإرساؤها على القيم الإسلامية والوطنية، وتعزيز الخصائص الشخصية والنفسية التي من شأنها قيادة وتحفيز الأفراد نحو النجاح والتفاؤل، وتكوين جيل متسق وفاعل مع توجه السعودية اقتصاديا وقيميا، ووقايته من المهددات الدينية والاجتماعية والثقافية والإعلامية.
(7) برنامج ريادة الشركات الوطنية: الذي سيعمل على تحفيز أكثر من 100 شركة وطنية تمتلك فرصا واعدة رائدة إقليميا وعالميا، وتعزيز وترسيخ مكانتها كمحور مهم يعزز من متانة الاقتصاد السعودي. كما سيسهم البرنامج في رفع المحتوى المحلي، وتنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وإنماء الشركات الصغيرة والمتوسطة، وإيجاد مزيد من فرص العمل. (8) برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية: يستهدف تنمية الصناعة والمحتوى المحلي "الطاقة المتجددة، والصناعات العسكرية"، والصادرات والتعدين والطاقة وميزان المدفوعات والتقنية والقوى العاملة الآلية، وتحسين البنية التحتية ودعم الصادرات وتطوير الخدمات اللوجستية اللازمة للبلاد، تمهيدا لأن تتحول إلى منصة متميزة صناعيا ولوجستيا بين قارات آسيا وأوروبا وإفريقيا، وسيسهم هذا البرنامج في زيادة فرص العمل الواعدة للشباب.
(9) برنامج صندوق الاستثمارات العامة: يأتي تعزيز دور الصندوق لدوره المحرك الفاعل على مستوى تنويع قاعدة الاقتصاد السعودي، وتطوير قطاعات استراتيجية محددة، عبر تنمية وتعظيم أثر استثماراته، وتأسيس الصندوق شراكات اقتصادية وطيدة، يؤمل أن تسهم في تعميق أثر ودور المملكة إقليميا وعالميا. (10) برنامج الشراكات الاستراتيجية: من خلال بنائها وتعميقها مع دول الشراكة الاستراتيجية الحائزة لمكونات الأساسية، ولمساهمتها القادرة على تحقيق "الرؤية"، إضافة إلى العلاقات الاستراتيجية خليجيا وإقليميا، من خلال تسهيل تنقل الناس والبضائع ورؤوس الأموال بشكل أكثر سلاسة بهدف تقوية وتوسيع القطاعات الاقتصادية المختلفة، واستحداث قطاعات جديدة، وتوطين المعرفة، وتنويع مصادر الدخل، وزيادة تأثير المملكة إقليميا وعالميا بعقد صفقات كبرى ونوعية للاقتصاد.
(11) برنامج تطوير القطاع المالي: الذي سيعمل على رفع حجم وعمق وتطور أسواق رأس المال محليا، وتحسين تجربة المشغلين والمستخدمين ومكانة سوق المال المحلية على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وتأهيلها كسوق متقدمة وجاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، لتقوم بدور محوري في تنمية الاقتصاد الوطني، وتنويع مصادر دخله. أخيرا؛ (12) برنامج التخصيص: تعزيز دور القطاع الخاص في تقديم الخدمات، وتمليكه الأصول الحكومية، ما يحسن جودة الخدمات عموما كالصحة والتعليم والبلدية، وتقليل تكاليفها، لتتولى الحكومة التركيز على دورها التشريعي والتنظيمي المتوافق مع توجه "رؤية المملكة 2030"، كما سيسهم هذا البرنامج في تعزيز جذب المستثمر الأجنبي المباشر، وتحسين ميزان المدفوعات.
ختاما؛ التزمت جميع تلك البرامج التنفيذية بمنهجية قياس درجات تقدمها وإنجازها، وهو الجانب البالغ الأهمية الذي يعكس مدى الالتزام والإنتاجية من قبل الأطراف كافة بأداء المهام والمسؤوليات، وبناء عليه سيتم تقييم عمل وجهود القائمين على تنفيذ كل برنامج مرحليا، ما سيُمكن صانع القرار من اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة في حال حدوث تأخير أو انحراف لا قدر الله، وفي الوقت ذاته سيكون التقييم متاحا أمام مختلف شرائح المجتمع ومنشآت القطاع الخاص، تفعيلا لدورهم وشراكتهم في الرقابة والمشاركة بالرأي حول البرامج التنفيذية لـ "الرؤية" كافة، وهو الأمر الذي سيُشكل بصورة مجتمعة، في الدفع بصورة أكبر نحو ترجمة تلك التطلعات والأهداف الاستراتيجية المشروعة، كحقيقة على أرض الواقع بمشيئة الله تعالى. والله ولي التوفيق.