المصارف الإسلامية .. والاستراتيجيات الاقتصادية الجديدة
المصرفية الإسلامية تعتبر أحد أهم مكونات التمويل والاقتصاد الإسلامي، التي كانت النواة لبناء أساس للتمويل الإسلامي وما زالت اليوم هي مركز حراك التمويل الإسلامي بمختلف أدواته وشريكا في نمو حجم التمويل الإسلامي والتوسع في تعاملاته.
المصرفية الإسلامية اليوم في دول الخليج تمر بمجموعة من التحديات التي تعتبر انعكاسا للمتغيرات التي يعتبر جزء منها بسبب تغيرات اقتصادية عالمية، الذي انعكس على حجم موارد دول الخليج فيما يتعلق بالمتغيرات في أسعار الطاقة التي انخفضت إلى مستويات تصل إلى النصف مقارنة بأسعار ما قبل 2014 وهذا انعكس بصورة واضحة على الإنفاق الحكومي مقارنة بفترات ماضية، وفي الجانب الآخر نجد أن دول الخليج خصوصا في السعودية أصبحت لديها استراتيجية شاملة لتنويع مصادر الدخل وتحقيق الاستدامة في الموارد والتنمية من خلال العمل على مجموعة من البرامج التي جاءت في إطار "رؤية المملكة 2030" التي تتطلع إلى تحقيق تنمية حقيقية دون الاعتماد على النفط والموارد غير المتجددة وتقديم خيارات لتنويع مصادر الدخل وفق ما تتميز به المنطقة.
هذه المتغيرات ينبغي أن تنعكس على استراتيجيات القطاعات الاقتصادية في المملكة وأن تسير خططها وبرامجها بناء عليها لتحقيق الاستدامة في نموها ومنتجاتها. من البرامج التي لها علاقة بالمصارف الإسلامية بصورة مباشرة هي سياسة الحكومات في إصدار أدوات الدين التي من ضمنها الصكوك الإسلامية، ورغم أنها من الأدوات التي تصنف أنها متوافقة مع الشريعة إلا أن بعض المصارف الإسلامية تتردد في الاستثمار فيها أو المشاركة في إصدارها؛ وذلك لوجود اختلاف في وجهات النظر بين الهيئات الشرعية فيما يتعلق ببعض نماذج الصكوك الإسلامية المتداولة، ما قد يفوت الفرصة على بعض المصارف الإسلامية من الاستثمار فيها أو المشاركة في إصدارها؛ وهنا سيكون له أثره السلبي على بعض المصارف الإسلامية، حيث ستقل فرص تحقيقها للعوائد من الأدوات التي كانت تعتمد بصورة كبيرة عليها سابقا مع تفويت فرص الاستثمار في أدوات الدين المتاحة، وهنا تأتي أهمية التركيز على تقديم نماذج عملية للسوق والعمل على طرح إصدارات متفق عليها بين المصارف الإسلامية لتحقيق فرص متساوية من الاستفادة فيما بينها؛ وهنا يأتي دور المؤسسات التي تهتم بالجوانب التشريعية للمصارف الإسلامية لتقديم نماذج تطبيقية متفق عليها؛ إذ إن مثل هذا الإجراء سيكون له أثر إيجابي للمصارف الإسلامية خصوصا بدخول المؤسسات المالية التقليدية ومجموعة من المستثمرين من مختلف دول العالم طرفا في المنافسة على الاستثمار في منتجات التمويل الإسلامي؛ وهو واضح اليوم في الصكوك الإسلامية.
من البرامج التي جاءت واضحة في "رؤية المملكة" العناية بجانب الإسكان للمواطنين من خلال تقديم سلة متنوعة من البرامج التي يعتبر القطاع الخاص شريكا فيه من خلال التمويل أو التطوير، والمصرفية الإسلامية يمكن أن تكون شريكا في التمويل، كما يمكن أن تقدم حلولا وابتكارات للمشاركة في التطوير.
من محاور "رؤية المملكة" الاستثمار ضمن ثلاثة محاور أو مرتكزات، والمصارف الإسلامية أو المؤسسات المالية الإسلامية بصورة عامة تجعل من الاستثمار جزءا رئيسا من نشاطها؛ ومن هنا تأتي أهمية العناية بالاستثمار من خلال أن يكون لديها أوعية استثمارية ذات كفاءة عالية متوافقة مع الشريعة ومنافسة للأوعية الاستثمارية الموجودة في السوق، وهذا يمكن أن يستقطب استثمارات ليست الاستثمارات الحكومية فقط، بل من خلال رؤوس الأموال الأجنبية التي تبحث عن الفرص في المنطقة.
من البرامج التي يمكن أن تستفيد منها المصارف الإسلامية ويعتبر من صلب نشاطها هو مسألة الادخار، حيث تعتني الرؤية بمسألة تشجيع الادخار لدى المواطن، ويظهر أن ذلك برنامج مشترك بين دول مجلس التعاون فيما يتعلق بالمواطن الخليجي لتشجيع ضبط الإنفاق لدى الأسر بما يوفر حياة أكثر استقرارا من الناحية المالية، فهو يعتبر بالنسبة للمصارف الإسلامية برنامجا له مجموعة من الأبعاد سواء فيما يتعلق بجانب الخدمة المجتمعية، وهو أيضا يحقق عوائد جيدة للمصارف؛ إذ إن المدخرات للمواطنين ستكون سيولة إضافية داخل المصارف التي ستبحث لاحقا عن أدوات استثمارية منخفضة المخاطر تقدمها المصارف.
فالخلاصة أن المصارف الإسلامية ينبغي أن تكون لها استراتيجية تتطلع فيها إلى أن تكون شريكا في التحولات الاقتصادية في المنطقة فيما يتعلق بتنويع مصادر الدخل من خلال تقديم أدوات الدين المتوافقة مع الشريعة، التي يتوقع أن تشهد إقبالا حكوميا وعلى مستوى الشركات الكبرى محليا وعالميا، ومن خلال التوسع في برامج الاستثمار المتاحة المتوافقة مع الشريعة إضافة إلى العناية بمجموعة من البرامج ببعديها الربحي وخدمة المجتمع في مثل الخطط الحكومية لزيادة نسبة التملك للمساكن لدى المواطنين، وزيادة نسبة الادخار لدى المواطن.