تعظيم الانتماء
حديثي أمس عن حفلات التقاعد وأهميتها في تذكير الفرد بأهميته عند زملائه، ومكانة المنظومة في قلوب العاملين بها دفعني في النهاية لفتح باب جديد يتعلق بما بعد الحياة الوظيفية وكيف تضمن المنشآت أن يسهم برها بمنسوبيها في تحسين كفاءتها وقدرتها وسمتها كحامية وراعية للموظف في شبابه وشيبته.
هذه البيئة الخصبة تولد الولاء وتعزز الانتماء وتضمن بقاء الأعداد الأكبر ضمن المنظومة إن هم علموا أنهم مقدرون في وقت عملهم ومحميون ومخدومون بعد خروجهم، وهذه من الأمور التي لا يحسنها كثير من الجهات الوظيفية التي تفقد الناس باستمرار بسبب فقدانها روح الانتماء.
أستثني في المجال بعض كبريات الشركات والوزارات في بلادنا. أخص بالذكر الوزارات العسكرية - على سبيل المثال - التي يستمر منسوبوها في الحصول على الرعاية الصحية بعد تقاعدهم، ويستمر تمتعهم بكثير من المزايا والمرافق كالترفيه المجاني الذي يفوق ما تقدمه الوزارة للموجودين على رأس العمل.
تجد المتقاعدين من العسكريين يستفيدون من الخدمات أكثر ممن هم على رأس العمل. قد يكون السبب هو توافر وقت فراغ أكثر لدى المتقاعد للاستفادة من تلك الخدمات، لكنها في الواقع تجلب السعادة لمن هم على رأس العمل وهم يرونها جزءا من الوفاء لمن عملوا.
شركات تقدم كذلك الخدمات العلاجية، وتدفع بمنسوبيها نحو الحصول على المساكن بالقروض دون فوائد، وتكتسي كذلك حلة الولاء التي تجعلها مصدر فخر لكل من ينتمي إليها. في واقع الأمر أنك تكاد لا تجد فرصة وظيفية في أغلب هذه الشركات وهي غالبا لأسباب عنايتها بالعاملين في كبرهم، ولهذا قدموا لها الولاء مقدما على رأي كاتب قصة " قدم الجميل Pay it First".
الحكمة التي نستخلصها من مبدأ الوفاء هذا هو أنه كلما قدمنا ما يضمن الحياة السعيدة بعد التقاعد، فنحن نضمن أفضل الكفاءات اليوم. التنافس الذي سيكون على الأبواب سببه في غالب الأحيان الشعور بالأمان تجاه الغد الذي نوفره للعاملين بمختلف مستوياتهم ومراتبهم.
يدعوني هذا إلى حث كل من يملك القرار على أن يعمل كل ما في وسعه لتحويل منشأته ووزارته ومؤسسته إلى جنة وظيفية في المستقبل ليضمن أن يحصل على أفضل الموظفين، وله بعد ذلك أن يطبق أدق أنظمة العمل والرقابة للمحافظة على الجودة لأن الجميع سيلتزمون بها بسبب الانتماء وليس الخوف.