الجودة والتلقين

تكلمت أمس عن مشكلة تراكم المواد الدراسية وكثرة المهارات المطلوبة من الطالب، التي تؤدي إلى انخفاض ما يستوعبه منها. أتحدث اليوم عن عنصر آخر وهو عنصر نوعية المعلومات التي يطالب بها الأبناء والبنات.
حديثي عن الكتابة اليدوية يمكن أن يشمل هذه الفقرة أيضا كمثال يمكن أن نطلقه على بقية المهارات المطلوب تحصيلها من قبل التلاميذ في المدرسة وخارجها. كم الحصص المخصصة لمادة الخط اليدوي، وعدم الاهتمام بجمال الخط كمكون لهوية الطلبة، أدى إلى انخفاض نوعية خطوط الطلبة.
يسري هذا المفهوم على بقية المواد، فما يكاد التلميذ ينتهي من التعرف على معادلة معينة، حتى يوجه للتعرف على معادلة أخرى كجزء من المنهج، يمكن حتى ألا يطبق الطالب المعادلة السابقة أو يختبرها في الصف أو المختبر، المهم أنه تم المرور عليها وشرحها كجزء من المنهج.
ينطبق هذا على كل شيء تقريبا، حتى مواد اللغة والدين التي يتم التركيز فيها على التلقين، وتستدعي ــ في الغالب ــ الحفظ، تقع تحت طائلة الاهتمام المحدود وغير النوعي، فيفقد الطالب قدرته حتى على حفظها. ثم تأتي مشكلة أكبر في النظام التعليمي وهي عدم المطالبة بأي مجهود لا صفي، وهذا يحول الطلبة بعيدا عن الانتماء للمدرسة.
النشاط الرسمي الذي ينتهي بنهاية ساعات الدراسة الصفية، لا يتبعه أي علاقة بين الطالب ومدرسته، سوى في محاولات محدودة غير مربوطة بمعايير كمية يمكن قياسها. هنا تتوقف النظرة للمدرسة كمركز للإشعاع الحضاري والترابط المجتمعي إلى حالة من الكآبة والملل الذي يمثله ارتباطها بجزئيات غير ماتعة في حياة الطالب.
ثم تأتي إشكالية أهم من السابقتين وهي انخفاض نسبة ما يخصص للتطبيق من مساحات المدارس ووقت الدراسة. المختبرات محدودة والورش معدومة ــ في الغالب. هنا يصعب فعلا أن نربط بين المعلومة النظرية والتطبيق العملي. ناهيك عن التعرف على المهارات الفردية والبناء عليها.
عندما يكون المعلم تحت كل هذه الضغوط وتستمر المطالبات بمزيد من المعارف التي لا بد من ضمان إدراجها في المنهج، ويعطى هذا الكم المحدود من الوقت لتنفيذ كل ذلك، فليس من المعقول أن نتهمه بأنه ملقن. النظام التعليمي كله نظام تلقيني بالدرجة الأولى... وإذا أردت أن تطاع فاطلب المستطاع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي