التقنية وشروط المكان
تتعاظم أهمية التقنية في العالم، ومنها بلادنا. لكننا مع الاستخدام المتزايد للتقنية نجد أنفسنا نتوسع أفقيا في المباني ويزداد عدد الموظفين وتترسخ البيروقراطية التي نحاول أن نطردها بالتقنية. نشاهد كثيرا مما يمكن اعتباره هدرا للموارد واستخداما سيئا لما هو متوافر منها.
إن محاولة وضع مؤشرات للأداء، لا بد أن نستهلها بوضع مؤشرات للتضخم المكاني الذي نشاهده يستفحل كل يوم. المنشآت التي تستمر الجهات الحكومية في بنائها أو استئجارها تشرح كثيرا مما يحتاج إلى قراءة متأنية. ذلك أن الإدارة التي تعتمد على التقنية يمكن أن تخفض مساحاتها إلى أقل من العشر في الواقع، لكننا نجد أكثر الإدارات التي تطالب بمزيد من المساحات هي إدارات التقنية نفسها، وهي تدفع بمزيد من العمل إلى الاستشاريين وتحاول أن تستقطب الموظفين، لكنها لا توفر لهم أي مجال للعمل والإنتاج.
كانت شهادة تقنية المعلومات في مرحلة معينة نعمة كبرى، وكان الجميع يحاولون أن يحصلوا على هذه الفرصة التاريخية للانضمام لهذه الإدارات التي تسيطر على كل العمليات بضغطة زر. حدث ذلك فعلا، لكننا فوجئنا بأعداد هائلة من الخريجين دون أن يكون لهم عمل.
سحبت الشركات الاستشارية البساط من تحت أقدام أبنائنا بالمختصين الأجانب الذين فضلتهم القطاعات الحكومية، ويستمر خريجو التخصص المهم من أبنائنا في عمليات تنصيب البرامج على الأجهزة أو تنفيذ عمليات الصيانة الطفيفة، بينما يقوم الأجانب بالعمل التقني الصرف.
ثم تشكو الجهات الحكومية من عدم فعالية الشباب، وكثرتهم غير المنتجة. يضاف مزيد من المكاتب لهذه الإدارات، لتستوعب جلسات الإفطار والفول، والسوالف التي تستمر حتى الحصول على تصريح خروج. هذا مثال واحد على التكدس الذي يشكوه الكثير من الوزارات، فيدفعها لمزيد من المباني حتى تتوافر المكاتب اللازمة للموظفين الذين هم أساسا فنيون لا تلزمهم المكاتب، بل تعيقهم عن العمل.
لكن الطبيعة العقارية لكثير من المديرين ورغبتهم المستمرة في الاحتفاظ بمزيد من المباني، تظهر في أغلب الحالات التي تم فيها تجهيز مبان جديدة كان تخطيطها وبناؤها معتمدا على الحاجة إلى مدة لا تقل عن 50 عاما، ليفاجأ الجميع ببقاء نصف المكاتب في الموقع السابق، واكتظاظ المبنى بالموظفين قبل مرور عام على تسلم المبنى الجديد.
هل مسمار جحا يضمن أن تستمر الإدارة في التوسع؟