الرقابة على الحسابات
كنت قد وطأت لحديثي هذا بمقال أمس عن أهمية الشفافية وضرورة أن يحاول كل منا أن يكون واضحا، في كل علاقاته واتصالاته؛ ومن ذلك بالطبع ما يشاهده ويرسله ويستقبله من حديث ومقاطع ورسائل. الأهمية التاريخية لهذه الشفافية تتكشف عندما تمر السنون، ويبدأ أحدهم بالبحث في سجلاتك التي قد تكون نسيتها ليكتشف أنك كنت تراسل فلانا، أو فلانة، وتخاطب الجهة العلانية، وتستقبل مقاطع من النوع غير المباح، وغيرها مما قد يدفعك للتعرق، وأصابع يديك بالرجفة، وقلبك بالخفقان.
كان الاعتقاد سائدا، في الماضي أن ما في الجهاز فيه، وأن الواحد يمكن أن يقفل الجهاز أو يـ "فرمته" فتنتهي كل معاناته ومخاوفه، لكننا اكتشفنا أن هذا غير صحيح، وما تفعله في زمن معين، سيأتي في وقت ما ليطاردك ويبتزك ويكشف حقيقة قد تكون أنت تجاوزتها وكفرت بكل ما فيها من مجون وجنون.
بعيدا، عن المثاليات أنصح الجميع بأن يعتمدوا الشفافية في كل شيء، ومن ذلك ما ذكره مسؤول في وزارة الأمن الوطني الأمريكية عندما أكد أنه على كل شخص أن يفتح كل حساباته ويطلع الوزارة على أرقامه السرية عندما تطلب منه. الأفضل ألا تكون هناك أرقام سرية وننتهي من كل شيء.
ليس هناك أفضل من الآن لكل منا أن يبدأ في إصلاح ما يمارسه وتقنين ما يطلع عليه ليكون ضمن الناجين من العقوبات الدنيوية والأخروية. إن ما يحاول الأمن الأمريكي أن يكشفه عن الواحد منا، لا يتعلق بمغامراته الغرامية أو مشاهداته غير المنضبطة، وإنما أمور مختلفة تماما.
لكنه يأتي كحافز لنا جميعا، لتذكر أن هناك رقابة أكثر صرامة وأدق مما يفعله هؤلاء فيما يتعلق بسلوكنا وتمسكنا بالقيم الأخلاقية التي ندعيها، ليس من الممكن أن يفر المرء من هذه الرقابة التي تسيطر حتى على تفكيره وتعلم نواياه دون أن يكشف منها شيئا، لأحد.
هذه الرقابة لا نشاهدها بأعيننا وقد تعاقبنا في الدنيا وقد لا تفعل، لكنها في النهاية أمر لا مفر منه، وقد قال تعالى في محكم التنزيل: "وجاءت كل نفس معها سائق، وشهيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد". غفر الله لي ولكم.