الرقم السري
أعتبر ترك الجوال في العراء دون أرقام سرية قمة الحرية والراحة والأمان. ليس أسوأ من أن يضطر الواحد منا لإخفاء بياناته أو وضع الحواجز بين من يحبهم وما يحتويه أي من حساباته وأجهزته من معلومات. كنت أحسب أن هذه القناعة تتشكل وتنمو مع التقدم في السن، لكنني أرى كثيرا من أصحابي ما زالوا رهائن الأرقام السرية والمعالجات التي لا أرى لها داعيا.
إن انعدام الثقة الناتج عن وجود حياة لا يعترف بها الواحد، أو علاقة لا يرغب في أن يطلع عليها أحد، أو تواصل غير محصن بالقيم الذاتية، يدفع بالعلاقات الأسرية والاجتماعية نحو منحدر خطر. أكتب هذا وأنا من يؤمن بأن المجتمع عندنا يعاني فصاما شديدا بين مكوناته.
الوالد له شلته وعلاقاته وأسراره، والأم كذلك، والأبناء سيكونون أشد كتمانا وأكثر غموضا في علاقاتهم. ذلك أن الأولين يدعيان الطهر والعفاف، ويطالبان كل من يهمه أمرهما بأن يكون قمة في ذلك. على أن كثيرا منا، بل أغلبنا مكشوفون وعلاقاتنا ـــ مهما حاولنا كتمانها ــــ معروفة.
هذا ما يجب أن يتنبه له الآباء عاجلا، فهما يتعاملان مع مجتمع أصبحت الشفافية فيه إلزامية، بل إن الواحد منا يستغرب كم المعلومات المعروفة عنه، رغم محاولاته المستميتة لإخفاء الحقيقة. فإذا كان هذا حال الأبناء، فكيف بحال أجهزة جمع المعلومات التي تستطيع أن تدخل على معلوماتنا وبرامج أجهزتنا وأن تقرأ كل ما نكتبه، وتشاهد كل ما يعرض علينا في هذه الأجهزة الخطيرة.
إن فهم الواقع الذي يسيطر علينا اليوم يستدعي كثيرا من التمحيص والحرص عندما يتعلق الأمر بكل ما نفعله، فإن كان النفاق مخفيا في فترة من الفترات، فهو اليوم أكثر انكشافا مما كان عليه عبر التاريخ. تبقى الصدور مغاليق كل الأمور التي نحاول إخفاءها، فإن قلنا أو قرأنا أو شاهدنا، أصبحنا في مرمى الكشف والاتهام سواء فعلنا أم لم نفعل.
هل يمكن أن تفعل التقنية بنا أكثر من ذلك، من يدري ! هناك كثير من البرامج اليوم التي تستطيع أن تكشف نواياك واهتماماتك من خلال التصفح والقراءة والأصحاب، ولهذا كان النفاق مكروها في كل حقب الإسلام.
أعود للكلام في الموضوع لأهميته غدا بحول الله.