مواسم الكتاب العربي .. ما بين ندرة تحفّز وغزارة تثبّط

مواسم الكتاب العربي .. ما بين ندرة تحفّز وغزارة تثبّط

مع كل انطلاقة لمعارض الكتب التي تتداول مواعيدها العواصم العربية تباعا (القاهرة، الدار البيضاء، الرياض، تونس، الشارقة، بيروت، مسقط...)، يكثر الحديث عن "أزمة القراءة في العالم العربي"؛ أو ما يطلق عليه البعض لفظ "الإعاقة القرائية". فالظاهر أن شبه إجماع منعقد لجهة وجود "أزمة قراءة تعصف" في الساحة العربية كغيرها من الأزمات؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها.
من الصعوبة بمكان القبول بهكذا قول أو حكم دون تفحص وبلا تمحيص، في وطن عربي تشهد بعض أقطاره تنظيم أكبر معارض الكتب في العالم، فعلى سبيل المثال صُنف معرض القاهرة الدولي للكتاب – الذي انطلقت أولى دوراته عام 1969- كثاني أكبر معرض دولي للكتاب سنة 2006.
ارتباطا بالتاريخ نشير إلى أن أكبر تظاهرة دولية ثقافية تعنى بالكتاب والأدب بصفة عامة في العالم هو معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، الذي يبلغ عمره الآن أكثر من خمسة قرون حيث تفيد المصادر التاريخية بأن بدايته كانت عام 1439م؛ أي مع فترة بداية الطباعة في بلدة مينز القريبة من فرانكفورت.
تعود فكرة إقامة هذا المعرض حينها إلى مجموعة من ناشري الكتب المطبوعة في ذلك الوقت، للإعلان عن كتبهم وإصداراتهم وإنتاجاتهم المتطورة في ذلك الزمن، وحتى نهاية القرن السابع عشر ظل معرض فرانكفورت أهم معرض في القارة الأوروبية والعالم قاطبة.
بعد الحرب العالمية الثانية أعيد إحياء فكرة معارض الكتب، فاستأنفت فرانكفورت معرضها سنة 1949. ودشنت عاصمة الضباب النسخة الأولى لمعرض لندن للكتاب عام 1971، وهو اليوم أهم سوق للنشر في العالم الغربي الناطق باللغة الإنجليزية. في القارة الآسيوية نجد معرض كولكاتا الدولي للكتاب في الهند، الذي يحتفظ بطابعه الثقافي المحض، فلا احتكار فيه للثقافة؛ إذ لا يسمح بتعاطي الأعمال التجارية ضمن المعرض، فلا صفقات بين الناشرين والموزعين ولا مكان لشراء الكتب بالجملة مع استثناء الجامعات والمدارس من هذا القيد. ويظل معرض بوينس آيرس للكتاب في الأرجنتين أكبر معرض في جنوب القارة الأمريكية، ولدى الدول الناطقة باللغة الإسبانية، كما أنه واحد من أطول المعارض في العالم زمنيا، حيث تمتد فعاليته على مدار ثلاثة أسابيع.
عودا إلى واقع الكتاب والاهتمام بالقراءة والعناية بالثقافة، التي يعتبرها البعض مسألة علاقات عامة، فاقتناء كتاب يكون بغرض أخذ صورة مع المؤلف قصد نشرها في وسائل التواصل الاجتماعي، أو من باب المجاملة لصاحبه فقط. وقد يكون عائدا إلى المؤلف بعينه، حيث يستطيع استقطاب جمهور من أجل الشراء والحصول على توقيعه، خصوصا عندما يكون كائنا ميديائيا (ميديا)؛ فالكاتب المشهور إعلاميا يستقطب القرّاء لأنه يظهر على القنوات الفضائية أو لأنه ينشط في وسائل التواصل الاجتماعي، من دون اهتمام القراء بمضمون الكتاب ولا أفكاره.
تضاف إلى ذلك معضلة أخرى لا يقل مفعولها على القراء العرب، وتتعلق بالتركيز على الجيل الجديد للمعرفة، أي البحث في الإنترنت، والإبحار في محركات البحث (جوجل وإخوانه)، ما يفضي تلقائيا إلى العزوف عن الكتب والصحف الورقية. وحتى من فتحت لديه هذه المواقع شهية العودة إلى الكتاب، فغالبا ما يهرب من الكتاب الورقي نحو الكتاب الإلكتروني نظرا لمزاياه العديدة.
يبقى كل ما سبق مجرد ادعاءات أو أحكاما غير مستندة إلى أساس، فالأرقام تظهر أن مبيعات الكتاب الإلكتروني تراجعت لأول مرة منذ فجر العصر الرقمي، بنسبة 2.4 في المائة، ما يعني أن الناس لا يزالون يفضلون قراءة الكتب الورقية ذات الطقوس الخاصة.
إلى جانب ذلك نشير إلى بروز العديد من التحولات التي تؤشر إلى حركة نشيطة في فعل القراءة، في السنوات الخمس الأخيرة، خصوصا بين الشباب. فمقولة "إننا في العالم العربي لا نقرأ" ينبغي أن تمحى؛ على حد تعبير أحدهم، لأن جيلا جديدا بدأ يعيد صياغة وجدانه بالمعرفة والكتاب.
يجد هذا القول تفسيرا له في التحول المسجل على مستوى مفهوم القراءة، الذي أصبح تفاعلا، بمعنى أن شرط القراءة تغير، فتغير معه فعل القراءة الذي أضحى مرتبطا بالوسائط التكنولوجية التي تُحفز أكثر على القراءة من باب الكتابة. فقد سمحت المواقع الاجتماعية ومواقع الصحف وغيرها، بإحداث شرط حيوي للقراءة، فحتى يتفاعل مستخدمو هذه الوسائل مع ما يعرض أمامهم من مواد، ويتركوا آراء حولها إشادة وتنويها أو نقدا وتجريحا، لابد من القراءة والمطالعة.
يجد ما سبق ما يعضده في نتائج "مؤشر القراءة العربي لسنة 2016" المعلن عنها أواخر العام الماضي في مدينة دبي الإماراتية، التي كانت عكس ما اعتدنا منذ عقود من الزمن من أرقام عن المنطقة العربية، لدرجة صرنا نردد فيها بكل جهل وظلم لأنفسنا بأننا "أمة اقرأ التي لا تقرأ".
تعكس تلك النتائج إقبالا نسبيا على القراءة لدى المواطن العربي، وذلك بمعدل 35 ساعة سنويا، وقد تراوحت الأرقام ما بين 7 ساعات في دولة الصومال و63 ساعة في مصر. وبخصوص عدد الكتب المقروءة سنويا للفرد الواحد فقد بلغ المعدل 16 كتابا، حيث أظهر الاستبيان أن 12 دولة عربية كانت فوق عتبة المتوسط العربي (لبنان، المغرب، مصر، الإمارات، تونس، الأردن، السعودية...).
ختاما نذكر ارتباطا بانطلاق المعارض، وبهذه العودة المباركة للعرب إلى الاهتمام بالقراءة بمقولة للصديق والمترجم المغربي محمد أيت حنا؛ في إصداره الأخير بعنوان «مكتباتهم»، يقول فيها: "إن مشاكل القارئ في العالم العربي تكاد تتموقع كلها بين حدي الشح والوفرة. أن لا تجد ما تقرأه، حيث تصير محكوما بشكل أبدي بقراءة وإعادة قراءة ما قرأته مرارا؛ أو أن تزدحم عندك الكتب بحيث تفقد القدرة على القراءة تدريجيا، وتتحول إلى مجرد مقتني كتب. بالطبع الوفرة أخطر من الندرة. فقانون الندرة يحفز حواسك القرائية كلها، بينما تلقي بك الوفرة تدريجيا إلى مهاوي الخمول والكسل".

الأكثر قراءة