الكفالة
أذكر أنني قرأت في مكان ما حديثا عن شخص طلب من صديق له أن يشهد معه في قضية، فرد الرجل بأن أباه أوصاه بأن يمتنع عن "الشوك"، وما قصد الأب سوى الثلاث ورطات التي يقع فيها الجميع رغم علمهم بعواقبهن، وهن الشراكة والوكالة والكفالة.
حديثي اليوم عن الكفالة، وفيها أكثر القضايا التي استقبلتها محاكم المملكة خلال عام 1438هـ من ضمن ما يقارب 85 ألف قضية مالية. وهذا التوجه الجارف نحو الاقتراض، ومعه مجازفة الكثيرين بإدراج أسمائهم ضمن من يأخذون القروض أو يكفلون المقترضين له معان كثيرة.
أول المعاني وأخطرها هو الحال الاجتماعية التي تدفع الشخص نحو كفالة من لا يثق بقدرته على الالتزام بالسداد، وهو أمر يقع فيه الغالبية من الناس؛ بسبب القيود الاجتماعية و"النخوة" التي قد لا تكون في مكانها. إن كفالة شخص غير قادر على أداء الالتزام القانوني تجاه المؤسسات المالية يؤدي إلى إشكالات على طرفي عملية الكفالة، فمن يقترض - وهو غير قادر على الوفاء - فسيدفع بنفسه نحو إلغاء التزامات قائمة، وقد يهمل أمرا أكثر أهمية من سيارة جديدة أو سفرة سياحية يعشم نفسه أو أسرته بها.
القانون المهم الذي يجب أن يستوعبه الجميع مع دخول الضغوط الاقتصادية على مسار الرواتب، هو قانون الحكمة المالية الذي يستدعي أن يمد الشخص لحافه على قدر إمكاناته. الاستمرار في التقليد ومحاولة الظهور بغير الواقع الذي يتصنعه كثيرون منا، يؤديان في النهاية إلى خسارة أمور أكثر أهمية من مستلزمات الرفاهية.
كما أن الاستمرار في رفض الواقع سيؤدي في النهاية إلى خسائر أكبر من مجرد المادة، فهو بداية الفقد الاجتماعي والوظيفي، وهو مُشاهَد لدى كثير ممن تجاوزت التزاماتهم إمكاناتهم. هنا لا بد من إعادة النظر في كيفية موازنة الدخل مع الالتزامات، ولعل المهم كذلك أن يحدد كل منا نسبة معينة من دخله لمواجهة الأزمات التي قد تأتي دون سابق إنذار.
وفي النهاية، لا بد من تأكيد أمر مهم، وهو ضرورة أن نتخلص من كل وسائل الاقتراض غير المدرجة في نظام "سمة"؛ لأنها جميعا تدفع الناس نحو إهمال قاعدة ربط الالتزامات بالدخل، وليس هناك ما يمنع أن تقوم المؤسسات التي تقرض لأي غرض من التسجيل في النظام ما دامت موجودة في السوق ومصرحا لها بالعمل.