«أوقات سائلة» .. العيش على وقع صيحات المغردين
نعيش في عصرنا الحالي على إيقاع تحولات كبرى تشهدها جميع الأصعدة؛ في ميدان السياسة كما في عالم الاقتصاد، في مجالات الثقافة والآداب والفنون، وعموما في الاجتماع الإنساني بكل شُعبه، تحولات جوهرية وسيسيل الكثير من المداد راهنا ومستقبلا، إن كان لا يزال للمداد من مكان في أيامنا هذه أمام بريق الهواتف الذكية واللوحات الإلكترونية.
تكنولوجيا تتسارع في حرق المراحل بالتطورات الهائلة، وجنون الابتكار يوم بعد أخيه، لدرجة أصبح معها خير جليس في الوحدة مهجورا ومبعدا بفعل غوايتها وإغرائها. أي نعم، فتدريجيا صرنا نفرط في كم هائل من العادات اليومية والطقوس المناسباتية التي دأبت البشرية على تناقلها جيلا وراء جيل، بل دخل بعضها طي النسيان، وأضحت جزءا من التاريخ بفعل طوفان التقنية الجارف والمتزايد.
من منا بات يستشعر لذة الركون إلى منضدة لتحرير رسالة خطية؛ بخط عربي أصيل، ينتقي لها أجود العبارات، وأبلغ الصيغ، وأرقى الأساليب المفعم بمشاعر المحبة والأنس، ويدمغها بطابع بريدي قبل برقها عبر البريد إلى أخ أو صديق أو عزيز، يتردد بدوره على البريد منتظرا وصول تلك الرسالة على أحر من الجمر. تحوّل كل ذلك إلى ذكرى أو حكاية تروى، في زمن هستيريا الرسائل القصيرة الجاهزة، والرسائل الإلكترونية الجاف، والبث الحي من عين المكان.
من منا يتذكر آخر مرة استعار فيها كتابا أو رواية أو ديوانا شعريا من صديق عمل أو زميل دراسة أو جاره في الحي، بعدما أعياه البحث عن المؤلَّف في المكتبات والخزانات، قاطعا الشك باليقين من نفاده. اليوم تكفي نقرة واحدة على محرك البحث في الشبكة العنكبوتية، كي ترفع عنك كل هذا العناء. إذ تضع الكتاب بين يديك في ثوان معدودات، مصورا كاملا الهيئة والإخراج كأنه يصدر من المطبعة.
من منا يتذكر آخر مرة وقف فيها أمام سبورة الإعلانات المركونة جانب قاعة سينمائية، لمعرفة جديد إنتاج عوالم هوليود وبوليود وأخواتهما من مراكز السينما العالمية. اشتراك مجاني في أحد المواقع يقوم بكل هذه المهام بدلا عنك، إذ يوافيك - في كل وقت وحين - بكل ما تجود به الساحة السينمائية، مما ترغب في معرفته، وأحيانا يتكرم عليه حتى بما لا ترغب فيه.
متى كانت آخر مرة سمعت فيها عن عمل إبداعي؛ فكريا كان أو أدبيا، أثار ضجة في عصرنا الثقافي. وصار مدار الحديث على كل لسان، وفي كل مجلس أدبي، وداخل أروقة النوادي الثقافي؛ بالمناقشة والتأييد أو النقد والمعارضة، بالاستحسان والإطراء أو الاستهجان والتقبيح. أصبحنا نعيش على وقع صيحات التدوين والتغريد والنشر... وهلم جرا مما صيّر الكل شعراء وكتابا ونقادا، يغرقون الأبصار والأسماع والأفئدة بكم من النصوص، تنعدم فيها الحدود الدنيا للجودة الأدبية.
أين الملحقات الأدبية للصحف المعروفة التي كنا نرتوي من موادها طيلة الأسبوع؛ إلا من جرائد معدودة على رؤوس الأصابع في عالمنا العربي، قررت الحفاظ على هذه السُنة الحميدة، بضمان إطلالة أسبوعية على الشأن الثقافي والفكري لقرائها الأوفياء. لقد استولت على تلك الملاحق أخبار عالم الموضة وقصص النجوم، وإطلالاتهم في كل وقت وحين بالعالم الافتراضي، ممن تحولوا إلى رموز وقدوات للشباب.
حتى الأخبار في حد ذاتها، ألم تكن بالمواعيد لدى الأجيال السابقة، فمنهم من يقرؤها في الجريدة صباحا أو يستمع إليها في المذياع أو يتابعها على محطة تلفزية، وهو يتناول إحدى الوجبات اليومية. أما اليوم فكمية الأخبار التي نعايشها يوميا ونعلم بها، أصبحت لا تطاق. فحادثة عادية في منطقة نائية تغزو البلاد طولا وعرضا، إن لم تتجاوز حدودها نحو العالم بسبب قوة التواصل.
وقس على ذلك من الأمثلة والنماذج التي تؤكد أن هذه التحولات أحرقت المدلول، فلم يعد الدال يحيل إلى مدلول أو يتطابق معه، لدرجة غدا الدال منفصلا و"مستقلا" و"حرا" و"مختلفا"... وما إلى ذلك من الأوصاف المتداولة التي أضحت محط شكوك في حد ذاتها.
فالأدب لم يعد خاضعا إلى تقاليد تسبقه أو شعرية تحدد معاييره أو ملتزما بأيديولوجيا يتطابق معها. لم يعد ملتزما حتى بالمتلقي، فقد أضحى ممثلا لنفسه فقط دون أن تمتد دلالته إلى شيء خارجه. والخطاب السياسي كذلك انفرطت المنظومة العقلانية أو الحقوقية أو الإنسانية التي تحكمه، كما بشر بذلك عصر الأنوار، فحتى عقلانية هذا العصر لم تعد مرجعية.
بصيغة أخرى نقول إننا نعيش زمن محو للثنائيات والمسافات وسد للثغرات بين الجسد والروح، بين السماء والأرض، بين العقل والخيال، بين الدال والمدلول. وهو ما عبر عنه المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري تعبيرا بليغا بقوله: "صرنا أمام دال ابتلع مدلوله".
اختلفت التسميات حول الذي نعيشه، فنحن في عصر الالتباس بلغة الألماني توماس باور، وفي زمن الحداثة الفائقة بتعبير الفرنسي جيل ليبوفيتسكي، لا إنها الحياة السائلة وفق أطروحة عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان، ففي ظل السيولة - يقول باومان - كل شيء ممكن أن يحدث، لكن لا شيء يمكن أن نفعله في ثقة واطمئنان! ويضيف لمزيد من الإيضاح: "إن ما تتميز به طريقة الحياة الحديثة عن أنماط الحياة السابقة السائدة يكمن في التحديث الوسواسي القهري الإدمانيّ فهو يكمن، دعوني أكرّر، في الإذابة المتواصلة والإحلال السريع للبنى، والنماذج الذائبة".