التاريخ .. فن الذاكرة وعلم ما لا يتكرر

التاريخ .. فن الذاكرة وعلم 
ما لا يتكرر
فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال وتشد إليه الركائب والرحال.
التاريخ .. فن الذاكرة وعلم 
ما لا يتكرر
يحتاج صاحب هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة والثقافة باختلاف الأمم والبقاع.

التاريخ مفردة طالما تردد ذكرها على الألسن وبين الكلمات في السطور، دونما تفكير عميق في معاني أو دلالات هذا المفهوم، وقد تطور الأمر إلى مطالبة البعض (ما بعد الحداثويين والتقنويين) بإلغاء شعبة التاريخ إلى جانب تخصصات أخرى في الجامعات والمعاهد، إذ تبدو لهم غير نفعية وبلا قيمة مضافة في معركة التنمية ورهان التحديث الذي يخوضون عباب معركته.

لا بأس من تذكير أصحاب هذا الطرح -وما أكثرهم- بمطالعة كتاب باتريك هوتن "التاريخ كفن الذاكرة" كي يقطعوا الشك باليقين من تفاهة قولهم، إذ لا يتوانى عن تفنيد هذه المزاعم لدرجة يستفهم فيها استنكاريا؛ بعبارة غاية في البلاغة، فيقول: «أليست كتابة التاريخ هي بطريقة ما الوريثة لفن الذاكرة». قول يعضده الفيلسوف بول ريكو (Paul Ricoeur) في كتابه "الذاكرة، التاريخ، النسيان" حين يذهب بعيدا في اقتران شبه استلزامي بين الكتابة والتاريخ بتأكيده على أن «أسطورة أصل الكتابة بفضل إعادة الكتابة، تبدو وكأنها أسطورة أصل التاريخ».

في زمن السرعة الفائقة والهوس باللحظة والتنكر لهذا الحقل المعرفي النوعي لدرجة تجعلنا في موقع أشبه بتكرار قول الفيلسوف الألماني هيجل: «الأمر الوحيد الذي يمكن تعلمه من التاريخ هو أن لا أحد يتعلم من التاريخ». متغافلين عن منظور أجدادنا لهذا المجال المعرفي المهم الذي لم يتردد أحدهم في وصفه بتشبيه أنزله فيه منزلة «النبي الذي ينظر إلى الخلف من أجل الماضي وضد الماضي يُعلِن عما سيكون».

في هذه الغمرة يعيش حقل الدراسات التاريخية في فرنسا على وقع دينامكية خاصة في مجال البحث في التاريخ، الذي تطور من مجرد تسجيل للحوادث بحسب تسلسلها الزمني، وحفظ أخبار الماضي عند الأقدمين، ليحمل معناه دلالتين؛ إحداهما نابعة من الاعتقاد بأن التاريخ هو الماضي كله، وأنه يحوي مجمل الحوادث المعروفة وغير المعروفة لنا. أما الأخرى فتقتصر على عملية تدوين حوادث الماضي المعروفة لنا عبر البحث عنها وتعليلها وسبر أغوار معانيها.

بناء عليه يتأكد أن الماضي هو الحقل الذي تتناوله المعرفة التاريخية، عبر نقل "وقائعه" في حيز الزمان والمكان. وعندما تدون "الوقائع" أو ما يعتقد أنه "وقائع"، يتحول هذا التدوين إلى جزء لا يتجزأ من التراث التاريخي الذي يحمل في ثناياه أثقالا من المعارف التاريخية.
مع ما يثيره ذلك من أسئلة؛ طالما رددها المؤرخ اللبناني وجيه كوثراني في كتاباته، حول كيف بلوغ العقل البشري درجة الوعي والتمييز بين ما هو أسطوري وبين ما هو تاريخي؟ إن التمييز بين ما هو أسطوري أو تصوري في المعرفة التاريخية المتناقلة؛ أي في التراث التاريخي، وبين ما هو واقعي أو حقيقي أو موضوعي هو حالة إدراك ووعي عقلاني لم يتوصل إليها الفكر البشري إلا بعد تطور طويل في طرائق التفكير، وبعد تراكم معرفي كبير أدى بالعقل البشري إلى قفزات علمية.

بعيدا عن كل ذلك، وبعيدا كذلك عن أقاويل تكرار التاريخ لنفسه أو العجز في مواجهة التاريخ كما يخبرنا عن ذلك بول فاليري (Paul Valéry) في إحدى خطبه «إننا ندخل المستقبل ناكصين على أعقابنا، وهذا عندي أهم درس يعلمنا التاريخ إياه وأشده يقينا، لأن التاريخ هو العلم بالأشياء التي لا تتكرر أبدا. فالأشياء التي يمكن تكرارها، والتجارب التي يمكن إعادتها، والملاحظات التي يعلو بعضها بعضا، كل أولئك من شأن علم الفيزياء وإلى حد ما علم الأحياء».
#2#
نشير إلى محاولة التجاوز التي يخوض زمامها ورثة فرناند برودي (Fernand Braudel)؛ رائد مدرسة الحوليات، ممن يؤسسون لمسارات جديدة في علم التاريخ، فهذا جاك لوغوف (Jacques Le Goff) لا يتردد في الحديث عن مفهوم "التاريخ الجديد"، وكأنه يسعى إلى إثارة الانتباه لانعقاد تاريخ قديم. معقبا ربما على "خطبة في التاريخ" للمفكر بول فاليري الذي يتحدث فيها عن إمكانية فصل التاريخ عن الزمن «لو جردنا من التاريخ عنصر الزمن الحي، لوجدنا أن مادته نفسها، أعني التاريخ... الخالص، ذلك المؤلف من وقائع فحسب، من وقائع لا جدال فيها من ذلك النوع الذي تحدثت عنه –وجدنا هذه المادة لا معنى لها- لأن الوقائع ليس لها نفسها معنى. يقال لكم أحيانا: "هذه واقعة"، "استسلموا للوقائع". فهذا معناه: "آمنوا". آمنوا، لأن الإنسان لم يتدخل ها هنا وإنما الأشياء نفسها هي التي تتكلم. "هذه وقائع"».

ضمن ذات الزمرة نجد المؤرخ ميشيل فوفيل (Michel Vovelle) صاحب فكرة "التاريخ والأمد الطويل"، الذي يرى أن الحقل التاريخي يعيش ثورة هادئة، بما يحمله من تصور جديد للمصادر وتناسق في الأزمنة وغير ذلك. ينضم إلى ذات المجموعة جان لاكوتور (Jean Lacouture) بأطروحة حول "التاريخ الآني" التي يؤسس عمادها على عودة الحدث.
يحدث هذا في الساحة الفكرية الفرنسية لوحدها دون النظر إلى بقية الساحات الأخرى؛ الإنجليزية والألمانية بالخصوص، التي لا تقل فيها حركية النقد والنشاط الفكري الإبداعي عن نظيرتها الفرنسية. في وقت نريد فيه أن نتخلص من هكذا شعب وتخصصات بدعوى باطلة، ونحن من نحن؟ أمة إليها ينتمي من وضع أسس فن التاريخ قبل قرون خلت، إنه عبد الرحمن بن خلدون الذي نظّر لهذا الحقل المعرفي في زمن ما يزال الغرب يتخبط في عصر الظلمات.

نكتفي هنا بهذا الاقتباس المطول لهذا العلامة -ونترك التعليق للقراء الكرام- إذ يتحدث ابن خلدون في المقدمة عن التاريخ فيقول: «فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال وتشد إليه الركائب والرحال.. وتتساوى في فهمه العلماء والجهال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار.. وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها.. أعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب.. إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم.. إن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق وكثيرا ما وقع للمؤرخين.. من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط.. يحتاج صاحب هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع... وكأن هذا علم مستقل بنفسه».

الأكثر قراءة