تزفيتان تودوروف: أنا أساسا إنسان ولست فرنسيا سوى بالصدفة
هادئ ومتواضع بعينين واسعتين يفتحهما خلف نظاراته الطبية، محدقا في وجه من يخاطبه، وكأنه لا يسمعك إلا بالتحديق فيه. يمعن في الاستماع مطرقا، لحبل السؤال المسترسل قبل أن يجيب. وحتى عند الإجابة، فذلك يتم دون إظهار أي حماسة من شأنها أن تقنع المتسائل، ما يجعل إمكانية الخطأ الإنساني الصادر عنه قائمة على الدوام.
هو ذا تزفيتان تودوروف المفكر والفيلسوف والناقد البلغاري الذي احتضنته فرنسا، في ريعان شبابه لما حط بها الرحال، ذات زمن ستيني كانت فيه الشيوعية تغزو وطنه الأم بلغاريا. بدأ حياته الجديدة حتى أضحى منارة فكرية كونية وعلما ذائع الصيت، تفخر به فرنسا، وإن ضاقت ذرعا في بعض الأحيان بجرأته، وانتصاره للحكمة ضد جموح السياسة حين تنفصل عن الأخلاق والحس الإنساني.
تجول الرجل في رحاب مجالات معرفية فسيحة بدءا بالنقد الأدبي؛ بما احتواه عن النظرية الأدبية وتاريخ الفكر ونظرية الثقافة، الذي كان بداياته الأولى "شاعرية النثر، نظرية الأدب، ميخائيل باختين: المبدأ التحاوري، الأدب والدلالة،..." قبل أن ينتقل إلى الأنثروبولوجيا السياسية "فتح أمريكا، مواجهة المتطرف: الحياة الأخلاقية في معسكرات الاعتقال، ذاكرة الشر-غواية الخير، الحديقة المنقوصة: تركة الإنسانية، الأمل والذاكرة، حول التنوع الإنساني، الفوضى العالمية الجديدة..." مخلفا للخزانة الفرنسية ما يناهز الثلاثين مؤلفا، ينسيك الواحد منها في البقية.
سجل تزفيتان حضورا مبكرا في المشهد الثقافي والفكري الفرنسي حين انزاح رفقة ثلة من الأصوات الهادئة، ممن لهم حس نقدي رفيع ونزعة إنسانية صادقة، على الرغم من التهميش الذي لقيه بصورة متعمدة، والحصار الإعلامي الذي فرض عليه حتى لا يسمع له صوت. لا لشيء سوى أنه يدعو من خلال أفكاره إلى التقارب وبلورة فهم مشترك للقضايا العالمية، في إطار من المساواة وتكافؤ الفرص بين الشعوب والحضارات على اختلافها، دون أي نظرة دونية أو ممتهنة لهذا الآخر، الذي يعاني عديدا من الأزمات المزمنة والتخلف العلمي والاقتصادي.
يعتبر هذا المفكر الإنساني النزعة في كتابه "الخوف من البرابرة: ما وراء صراع الحضارات" الذي أهداه إلى كل من عالمة الإثنولوجيا جيرمان تييون والمفكر إدوارد سعيد، أن الغرب يعاني خوفا مرضيا، قاد الغرب إلى تصنيف المسلمين في خانة البرابرة المتوحشين، قبل أن يتحول إلى ممارسة سلوكيات موغلة في التوحش والبربرية ظهرت شواهدها في كثير من الحروب التي استهدفت المسلمين في عقر دارهم. ويضيف أن "الخوف من البرابرة شعور يوشك أن يجعلنا نحن أنفسنا برابرة".
#2#
يذهب أكثر من ذلك، وفي حقيقة صادمة للوعي الجمعي الغربي المزيف، حين يقول "إن الحروب الحالية لا تمت بصلة إلى صراع الحضارات، كما أن الغرب لن ينجح في محاربة الإرهاب إلا بفصله عن الدين الإسلامي، والسعي إلى معرفة جذوره المذلة والمهينة التي تمس شريحة كبيرة من سكان العالم". فلا حل في المنظور القريب، من وجهة نظره، ما لم يتمكن من إقامة هذا الفصل بين الإسلام كدين وبعض المسلمين المتطرفين، لأن هذه القناعة جعلت الغرب لا يفكر إلا في استخدام القوة كرد فعل على البربرية المزعومة واللصيقة بالمسلمين تحديدا في المخيال الغربي.
زيادة على ذلك يدعو إلى ضرورة إعادة النظر في التحرك العسكري للغرب خارج حدوده، فلا مبرر مقنع؛ يقول تودوروف، يمكن الاستناد إليه لقبول التدخل من أجل فرض نماذج للحكم وأنماط لتدبير المجتمع والثقافة. فأول خطوة كبرى لمكافحة الإرهاب هي إرجاع قوات الاحتلال الغربية التي تنتشر في عديد من الدول في العالم. إنها ترفع شعار مكافحة الإرهاب ظاهريا، لكنها في الحقيقة تغذيه نفسيا، ولا يخفي مثلا اعتقاده بأن تدخل فرنسا في ليبيا، وإن كان قانونيا؛ لأنه تم باسم مجلس الأمن، إلا أنه غير مشروع؛ لأن مجلس الأمن ليس هيئة تمثل مصالح الإنسانية، بل مصالح خمسة بلدان غربية.
موقف ليس بجديد على رجل أعلن أنه استثناء؛ في السياق الفرنسي المحموم بخطاب العنصرية والكراهية، منذ تسعينيات القرن المنصرم بإقراره في مؤلف "نحن والآخرون" بقاعدة التنوع الحضاري واختلاف قيم التقدم والتفوق قائلا "إن سجادا تقليديا قد يكون أروع من لوحة تجريدية". ما جعله في مرمى انتقادات تيار كبير ممن يرفضون فكرة المساواة بين الحضارات.
غير مبال بهم، وفي رد منسجم مع نزعته الإنسانية، يؤكد أن التآلف والتكيف مع تعقيدات العالم، وتجاوز صعوباته يوجب علينا أن نتخطى مقولة صدام الحضارات لنقوم بالتفكير في أنموذج يضمن تنوع الخصائص الثقافية، ويسهم في بناء نزعة عالمية كفيلة باستيعاب الاختلافات ودعم تقدم الحضارة ورقيها.
يختبر تزفيتان تودوروف في أحدث أعماله الموسوم بعنوان "أعداء الديمقراطية الحميمون"، وبرؤية فلسفية، اللحظة التي غدت فيها الآثار المنحرفة للديمقراطية تهدد وجودها في حد ذاته. إذ نجده يتحدث عما وصفه في عصرنا الراهن بـ "الديمقراطية المريضة"، مطالبا بضرورة إسراع الشعوب في القيام بما وصفه بـ "ربيع أوروبي" على شاكلة "الربيع العربي". بموازاة مع ذلك، يؤكد أن "العدو يكمن في داخلنا نحن.. فالديمقراطية في الغرب باتت مريضة بسبب المبالغة التي تحيط بها". وحذر من أن التهديد الأساسي للغرب يكمن في التوجهات الجديدة التي تتزايد داخل المجتمع مثل كراهية الأجانب والنزعة الوطنية المفرطة والليبرالية المتوحشة.
نشير أخيرا إلى أن مثل هذه المواقف لا ينبغي أن نستغرب سماعها من ذوي الضمائر الحية هناك ممن ما يزال العبق الإنساني يفوح منهم، فهو القائل في كتابه "روح الأنوار"، "كل سكان المعمورة كائنات إنسانية. ما يجمع الناس أكثر أهمية مما يفرقهم". ويستدعي دفاعا عن قوله هذا مونتيسكيو في قوله "أنا أساسا إنسان، ولست فرنسيا سوى بالصدفة"، قبل أن يردف أن "من تشبعوا بروح الأنوار يسعدون أكثر بانتمائهم إلى الجنس البشري أولى من انتمائهم إلى بلدانهم".