«خيانة المثقفين».. فرانكوفونيين أكثر من الفرنسيين أنفسهم

«خيانة المثقفين».. فرانكوفونيين أكثر من الفرنسيين أنفسهم
الطاهر بن جلون.
«خيانة المثقفين».. فرانكوفونيين أكثر من الفرنسيين أنفسهم
"يندفع المثقف، المسلح بعلمه وشفافيته وعقلانيته، للدفاع عن الأمة والوطن".
«خيانة المثقفين».. فرانكوفونيين أكثر من الفرنسيين أنفسهم
"يجب العمل على تصحيح الصورة النمطية عن العرب والمسلمين، التي صاغها العقل الاستعماري".

قد يكون من باب التنبؤ بما ستؤول إليه أحوال بعض مثقفينا أو ربما من باب الصدفة فقط، أن تحمل آخر نصوص المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد عنوان "خيانة المثقفين"، بعدما خبِر تبدُّل جلودهم وأقنعتهم، بمجرد أن يحط الواحد منهم الرحال في الغرب، ليبدأ رحلة التزلف إلى رجال السياسة أو سماسرة الإعلام بحثا له عن أصل تجاري يروج به لنفسه.

ينقل إدوارد سعيد على لسان فيصل الدارج في رثاء لصديقه هادي العلوي، "صورة وردية للمثقف الذي لا يساوم، ولا يقبل أنصاف الحلول عندما تتعلق القضية المتداولة والمطروحة للبحث والنقاش بالحرية والكرامة والوطنية. فالمثقف بناء على هذا التصور "شامخ شموخ الجبال، لما يحمله بين جوانحه من أفكار كبرى وقيم عظيمة، لا تتغير مع تغير المواسم، ولا تتأثر بالاجتهادات الموسمية. يندفع المثقف، المسلح بعلمه وشفافيته وعقلانيته، للدفاع عن الأمة والوطن خاصة في أوقات المحن والضياع والمحافظة والانكسار المعنوي والحضاري، ويجعل الاستقلال الوطني والمحافظة على أصالة الثقافة الوطنية قضيته الأولى".
في موقع آخر من الكتاب ذاته يضيف سعيد بأن "عددا من الناس لا يزالون يشعرون بحاجة إلى النظر إلى المثقف كشخص ينبغي أن يصغى إليه كمرشد للحاضر المربك، وكقائد زمرة أو جماعة تنافس من أجل قوة ونفوذ أكبر".
#2#
من الطبيعي جدا أن يتأثر إدوارد سعيد بالمفهوم الغرامشي؛ نسبة إلى الإيطالي أنطونيو غرامشي، للمثقف الذي يتحدث فيه؛ وبخلفية ماركسية ثورية، عن المثقف العضوي الذي يزاوج بين التنظير والفعل في الواقع، فـ"المثقف لا بد أن يكون في الشارع" كما يقول أحدهم. ذات الفكرة يعبر عنها المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري بقوله: "المثقف الذي لا يترجم فكره إلى فعل لا يستحق لقب المثقف".

لكن يبدو أن الانكسارات والهزائم في عالمنا العربي المأزوم، دفعت الشعوب إلى الاقتناع بالكفاف، إذ لم تعد تطلب مثقفين عضويين يقفون في طليعة معاركها من أجل الحرية والديمقراطية والكرامة، بقدر ما تبحث لها عن مثقفين موضوعيين غير مأجورين، ومنصفين غير منحازين. بصيغة أخرى، مثقفون يحترمون موقعهم ودورهم، ويؤمنون بالرسالة الإنسانية التي هم حملتها.

أي نعم هذه هي كل الأماني لا غير، بعيدا عن معارك هادي العلوي ولا مواقف المسيري أو إدوارد سعيد، فحين تجد روائيا وأديبا من طينة الطاهر بن جلون المحتفى به فرنسيا، ممن يفترض فيه التصدي لتزييف الحقائق، والعمل على تصحيح الصورة النمطية عن العرب والمسلمين، وهي الصورة التي صاغها العقل الاستعماري، وعمل على ترسيخها في ذهن القارئ الغربي.

لا يتوانى في الانخراط، وبشكل سلبي، في الترويج لمغالطات بالجملة عن الإسلام والمسلمين، مثل الربط بين الجهاد والإرهاب، تأكيد دونية المرأة، انعدام الحرية في الإسلام، وربط الإرهاب بدول خليجية.. من خلال سلسلة من المقالات نشرها في صحف ومجلات فرنسية. إضافة إلى آخر إصدارته الممثلة في كتاب باللغة الفرنسية بعنوان "شرح معنى الإرهاب لأطفالنا"، ويقسم العالم إلى صنفين: مظلم يوجد لدى العرب والمسلمون بتخلفهم وجهلهم وتطرفهم، ونيّر يمتد في النطاق الأوروبي بتحضره وعلمه ونبله.
#3#
ويواصل هذا الفرانكوفوني، أكثر من الفرنسيين أنفسهم، من علياء برجه العاجي أستاذيّته على العالم العربي، وبشكل أخص على بلده الأصلي المغرب، حين تفاعل مع نتائج الانتخابات الأخيرة التي شهدتها البلاد في 7 تشرين الأول (أكتوبر) ، معتبرا أن ما أفرزته صناديق الاقتراع غير منطقي، وكأن قُرابة نصف المغاربة (43 في المائة) الذين شاركوا في هذه العملية ناقصي الأهلية، بحاجة إلى الطاهر بن جلون كي يمارس عليهم الوصاية. قد يبدو الأمر تحاملا على الرجل لمن طالع بعضا من أعماله الروائية، غير أن هذا التقريض بسيط مقارنة بالنقد الذي خصه به الأكاديمي نيكلاس بندر؛ المشتغل في الأدب الفرنسي والأدب المقارن في جامعة إبرهارد كارل في مدينة توبينكن الألمانية، حين اعتبره مثقفا انتهازيا. وذلك في مقالة نقدية له تعليقا على كتاب بن جلون "الربيع العربي- عن استعادة الكرامة العربية" معتبرا إياه من مقاومي الساعة الأخيرة (les résistants de la dernière heure).

صحيح أن للرجل بصمة في الأدب الفرنسي حمله إلى قصر الإليزيه، زمن الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي الذي وشحه بوسام الشرف شهر شباط (فبراير) عام 2008. لكن هذه المكانة لا تفرض عليه التماهي مع السمفونية التي ترى العرب والمسلمين أصل كل الشرور، ومصدر الأزمات التي تتخبط فيها فرنسا.

قد يقول قائل إن الرجل في موقع لا يسمح له بالتموقف، ومناصرة القضايا العربية والإسلامية والإنسانية العادلة. والدخول في معارك لتصحيح الادعاءات والأباطيل التي تروج عنها في الأوساط الفرنسية، كما تطلب منه الجماهير المغلوبة على أمرها. فلا شك أن مسافة الأمان لشخصية من موقعه مفروضة، أو على الأقل مستحبة. لكن الغريب حقا أن هذه المسافة سرعان ما تتقلص، لتنمحي حين ينخرط بن جلون في زمرة المروجين لأوهام سياسات اليمين الفرنسي المتطرف الشعوبية، مقدما نفسه كواحد من شهود الإثبات، وصاحب تأويلات تتوافق ومجرى رياح السياسية في دوائر القرار في نوادي باريس (الموقف من ثورات الربيع العربي في شمال إفريقيا نموذجا).

لقد صدق إدوارد سعيد حقا حين تحدث عن خيانة المثقفين، ففي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات عقول حية متقدة في الساحة الفرنسية، رافضة موجات اليمين المتطرف وخطاب العنصرية والاستبعاد الاجتماعي، التي تمثلها قامات كبيرة في معادلة الثقافة والفكر في الساحة الفرنسية والأوروبية من طينة إيمانيول تود، ميشيال أونفري، ألان باديو، وروجي غارودي، ممن تصدوا لغوغائية الإعلام وانتهازية رجال السياسة وحشود الجماهير. يتزلف بنو جلدتنا الموائد في النوادي هناك، لعلهم يقدمون الدليل على صفاء السريرة وبراءة الذمة، طمعا في صك اعتراف ولو على حساب الحقائق والمواقف.

الأكثر قراءة