المخرج «كين لوتش» .. كاميرته انعكاس لروحه المتضامنة مع أوجاع المقهورين
لم ينتظر كين لوتش طويلاً في "كان" بعد أن حصد جائزتها الذهبية لأفضل فيلم عن عمله "أنا دانيال بليك"، بل ذهب، بلا مرافقين أو "برستيج" وبصبحة زوجته وبطل فيلمه إلى محطة القطار، بعد أن اصطف في الطابور، وحجز ثلاث تذاكر في الدرجة الثانية، ويمّمم شطر باريس، للتضامن مع فلسطين، داعياً في افتتاح الدورة الثانية لمهرجان السينما الفلسطينية، إلى مقاطعة إسرائيل، "ففي غياب فاعلية المجتمع الدولي الذي لا يمارس أية سلطة ولا يبحث عن إعادة الحقوق للشعب الفلسطيني، نحن كمدنيين، نفعل ما بوسعنا لأجل ذلك".
في فيلمه الفائز بسعفة "كان" يندّد لوتش بالظلم الاجتماعي. وفي سلوكه ينتصر للمعذبين، ويهاجم العنصرية والهمجية الإسرائيلية، والإرادة المزيفة للمجتمع الدولي. وفقا لقراءة موقع "ذوات".
ولد كين 17 (حزيران) يونيو عام 1936 في بلدة "نانيتون" الإنجليزية، ودرس الحقوق في جامعة أوكسفورد، قبل أن يتحوّل إلى مخرج منذ أكثر من 40 عاما.
أخرج العشرات من الأفلام الاجتماعية للسينما والتلفزيون، تناولت معاناة المشردين، مثل فيلم "كاثي عودي إلى البيت" (1966)، والحرب الأهلية الإسبانية" (1995)، والصراع في إيرلندا في فيلم "الأجندة الخفية" (1990) وفيلم "الريح التي تهز سنابل الشعير" الفائز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان، وعرض في دورة عام 2006 لمهرجان دبي السينمائي. وللوتش أيضا "أسرار الدفاع" 2008، و"رينينع ستونس" 1993، و"حصة الملائكة" 2012.
وبانتصاره لفلسطين، يقف لوتش، ذو الـ 80 عاماً، إلى جانب مخرجين وفنّانين كبار انتصروا للشعب الفلسطيني مثل كوستا غافراس، وتوني غاتليف، وروبير غيديغيان، وإيال سيفان.
وجاءت السعفة الذهبية في "كان" بمنزلة هدية عيد ميلاد للمخرج القدير في سنته الـ 80 التي سيبلغها عما قليل، وتتويجاً لنهج واقعي نقدي رسخه لوتش عبر أكثر من نصف قرن من حياته المهنية الثرة.
وفي كلمته، عند تسلمه الجائزة، شكر لوتش الفريق الذي عمل معه، وفي المقدمة منهم السينارست بول لافيرتي والمنتجة ربيكا أوبراين، واصفاً أعضاء فريقه بأنهم العصبة نفسها التي عملت معه في عام 2006.
وقال لوتش عن موضوع فيلمه: "عندما يكون ثمة يأس، يستفيد من ذلك أهل اليمين المتطرف، يجب أن نقول إن وجود عالم آخر أمر ممكن وضروري".
يقدم لوتش في "انا دانيال بليك"، وفق موقع "بي بي سي" أحد أجمل أفلامه وأكثرها تأثيراً، ويصل فيه إلى ذروة دربته في جعل مشاهديه يتماهون مع أزمة بطله، ونموذجه الإنساني، الذي يمثل الإنسان العادي البسيط الذي يسحق وسط اختلالات النظام الاقتصادي المهيمن، وما ينتجه من اغتراب وأزمات اجتماعية.
بُني الفيلم على شخصية دانيال بليك، التي استخلصها السينارست بول لافيرتي بعد بحث لأسابيع ومقابلات مع أشخاص في المنظمات الخيرية التي ترعى المعوقين والعاطلين عن العمل وزيارات ميدانية لبنوك الطعام، التي تقدم خدماتها للمشردين والمعدمين، فضلاً عن أحاديث مع السكان في مجتمع مدينة نيوكاسل البريطانية.
وبليك (يؤدي دوره الممثل ديف جونز) هو نجار من مدينة نيوكاسل في الـ 59 من عمره، يبلغه الأطباء بأن حالته الطبية لا تسمح بعودته إلى العمل بسبب مرض في القلب، فيتحول إلى تلقي مساعدة الرعاية الاجتماعية، لكنه يواجه تعنت النسق البيروقراطي، ويتيه في دوامة من المراجعات والتعقيدات تنتهي بموته بأزمة قلبية.
#2#
وتصف تقارير فنية كين لوتش بأنه "مخرج كبير يحب الاحتكاك بالناس ولا تستهويه ملذات الدرجة الأولى".
النجومبة بالنسبة إلى كين لوتش، كما قالت زوجته: "أن يصنع أعمالاً جيدة بغض النظر عن الجوائز"، لهذا قرّر أن يكون دائماً إلى جانبه زوجته ورفيقة دربه ليسلي أشتون التي بدت بملامح السيدة البسيطة والمتواضعة رغم البريق الذي يحوم حول إنجازات زوجها الذي يمارس وظيفة الزوج بامتياز في ملمح عائلي بسيط.
من هذه الصورة يتشكّل سر النجاح في حياة لوتش ذي العائلة السعيدة المتواضعة؛ فهو يقول إنه يرفض أن يعود في طائرة خاصة، إلى باريس، حتى لو حاز على كل جوائز العالم: لا أشعر بالسعادة إلا عندما أكون مع الناس والمواطنين. وقد اختار لوتش أن يكون الاحتفاء الكبير بالسعفة الذهبية عائلياً، لهذا لم يتأخر طويلاً في مدينة كان، وقرّر العودة ساعات فقط بعد حصوله على السعفة الذهبية إلى حضن العائلة، حيث سيجتمع مع أبنائه إيما وهنا وستيف ونيكلوس على طاولة العشاء احتفاءً بمسار والدهم السينمائي.
وتنتسب سينما كين لوتش، إلى سينما الضائعين في غمرة فوضى النظام الرأسمالي، بحسب الكاتب عبدالله الساورة الذي رصد شخصيات لوتش الهامشية المرتبطة بوضعياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتدنية ونضالها في الحق والحياة، على غرار أفلام "أغنية كارلا" (1996)، "اسمي جو" (1998)، "الكتيبة" (2001)، "الرغبة السادسة عشرة" (2002)، وكلها أفلام تنتمي لسينما المؤلف بحس وحساسية مناضل يساري وبأبعادها الإنسانية التي تغترف منها.
يعتقد المخرج كين لوتش في عديد من أفلامه أن يرى شيئاً مثل "درجة الصفر في الكتابة السينمائية أو الكتابة الباردة"، إنه المالك الحزين لأسلوب خالص وساخر بتعابير سينمائية تنتصر للإنسان في وجوده وكينونته. إنه جريح لا يخطئ الطريق في الاتجاهات الرئيسة للسينما الواقعية الأوروبية وفي مجموع السينما المستقلة التي تحددها واقعيته ونظرته للواقع برؤية إبداعية منغمسة في الواقع الحياتي للشخصيات الفيلمية. واقعية بشكلانيتها الاجتماعية وبنقدها للأوضاع وللبورجوازية وللمجتمع وتقترب من سلاسل مجهولة لذات المخرج بأسلوب ساخر.
يقترب المخرج من حيوات إنسانية للمواطن في المجتمعات الصناعية والتكنولوجية على الرغم، من هذا التقدم الصناعي الطافح. ويختار أبطاله من الطبقة العاملة في إطار إبراز اللاعدالة الاجتماعية للطبقات المهمشة في المجتمع البريطاني.
بطل فيلم لوتش الجديد يصارع توعكات صحية، فيجد في امرأة عزباء مع طفلين حاضنا لمشاكله، يسافران معا لمسافة 450 كيلومتراً، وفي المساعدات المقدمة من قبل الدولة للعاطلين عن العمل وللذين تعطلت بهم السبل ملاذاً في انتظار ما تجود به أجرة هزيلة في آخر الشهر وبانتظارات طويلة لا تسعف لسد الرمق.
يعالج المخرج وضعية العائلات التي تجد نفسها جراء الأزمات الاقتصادية أو الصحية في مواجهة سبل العيش، وكيف ترتمي في أحضان بعضها بعضا درءا للجوع والفقر والحاجة. يكون الملاذ هو كيف يتكيف العاطل مع الفقر والحاجة والتهميش.
يصر المخرج في فيلمه الأخير، أو فيلم التقاعد على إخلاصه لنهجه الحياتي والإبداعي بالدفاع عن مجتمع المهمشين والمحاصرين من قبل بورجوازية تتلذذ بجوع وفقر المهمشين. وفي ظل أوضاع اقتصادية تزداد بؤساً للبائسين وثراء للأثرياء.
ويحرص لوتش على أن يعامل الفيلم كوسيط لحمل رسالة في فضاء كفاح اجتماعي، لذا تتركز دربته السينمائية، بحسب "روسيا اليوم" على إبعاد كل ما يشوش على هذه الرسالة، مركزاً على اكتشاف جماليات تقوم على الإيجاز والوضوح والبساطة، من دون افتعال أية ألعاب جمالية خالصة.
لذا يسعى وفق خطى الواقعية الجديدة إلى تقديم مشاهد تشبه الحياة في جريانها وبساطتها وقسوتها ورثاثتها أحياناً، ومن هنا حرصه على التصوير في الأماكن الواقعية وبالإنارة الطبيعية في المشاهد الخارجية.
نجح لوتش في السينما، وفي الحياة، وكانت مواقفه متماهية مع عمله. وكانت كاميرته انعكاساً خلاقاً لروحه الفيّاضة بالتضامن مع أوجاع المقهورين.
ويبدو الفيلم لدى لوتش سلسلة مشاهد اقتطعت من الحياة وليس تدفقاً لحركة متواصلة كتلك التي نراها في أفلام الحركة، ولكل مشهد وحدته الداخلية، لذا غالباً ما ينتهي بإظلام تدريجي للشاشة لننتقل إلى مشهد آخر.
وحرصت كاميرا روبي رايان على تجسيد هذا النهج في الواقعية والبساطة في تصويرها لأحياء نيوكاسل الشعبية، أو تلك المشاهد الداخلية فيها المقتصدة في ديكورها وإنارتها.
سينما لوتش تحرص على أن تضع الممثلين ببساطة في مواجهة الكاميرا بدون مكملات وتفاصيل إضافية في المشهد، حيث إن التركيز ينصبّ على رصد الانفعالات الإنسانية.
نجح لوتش في السينما، وفي الحياة، وكانت مواقفه متطابقة مع عمله. وكانت كاميرته انعكاساً خلاقاً لروحه الفيّاضة بالتضامن مع أوجاع المقهورين.