هنري ليفي: فوز مغن بـ «نوبل» أصاب «البيروقراطية الأدبية» بالذعر

هنري ليفي: فوز مغن بـ «نوبل» أصاب «البيروقراطية الأدبية» بالذعر
ليفي: ديلان الوحيد من حقبته الذي جسد بشكل كامل الروح الموسيقية الضرورية للشعر العظيم.
هنري ليفي: فوز مغن بـ «نوبل» أصاب «البيروقراطية الأدبية» بالذعر
وضع الموسيقى في القصيدة يشبه الانتقال من الأبيض والأسود إلى الملون.. القصيدة غير المغناة نصف ميته.

وصف المفكر الفرنسي هنري ليفي الغضبة التي انتابت نخبا أدبية عالمية تجاه تتويج المغني الشعبي الأمريكي بوب ديلان بالغضب "الرجعي". مضيفا عند الإعلان عن فوز ديلان بجائزة نوبل كانت ردة الفعل ملحوظة، ولم تأت هذه الضجة من الإكاديمية السويدية بل من قطاع الآداب على مستوى العالم.

ويؤكد برنار ليفي أحد مؤسسي حركة "الفلاسفة الجدد" في مقاله بهذه المناسبة إن الذعر الذي أصاب البيروقراطية الأدبية كان واضحا، مبينا أن هذه البيروقراطية تعتقد أنها تعرف كل شيء وهي غارقة في حساباتها التافهة وتحولاتها الماكرة في المواقف. وبدوره أثار ليفي تساؤلات بعض النخب الأدبية الأوروبية التي لا تختلف كثيرا في ظاهرها عن تساؤلات لطالما أثرناها عربيا ومحليا حول هذه الجائزة وحول هذا الفائز أو ذاك: هل كان اختيار ديلان سياسيا أو غير سياسي؟ لماذا شخص أمريكي؟ لماذا لم يختاروا امرأة؟ أو أي صوت يمثل إحدى الإقليات، أو هذا الشخص الذي ينتظر من 20 سنة؟ أو ذلك الشخص الذي فقد الأمل؟
إن الحقيقة مهما كانت بغيضة لهولاء التقليديين، يجيب ليفي، هي أن منح جائزة نوبل للآداب لكاتب كتاب واحد فقط ليس أكثر إثارة للدهشة من منحها لدريو فو أو ونستون تشرشل علما أن أي منهما لم يكتب أكثر من ذلك بكثير.

وهنا الحقيقة الأكبر: إن منح جائزة نوبل لواحد من آخر شعرائنا الشعبيين الذي تأثر بروتبيوف وفيلون وجميع منشدي ومطربي العزلة والهجر هو بمثابة تكريس له كشاعر غنائي وشاعر أخوية الأرواح الوحيدة والضائعة وتتويج لمؤلف القصائد التي شكلت كما وصف أندريه سواريز ريمباود "لحظة في حياة" عديد من الناس في القرنين الـ 20 والـ 21 ومنح هذه الجائزة له أفضل بكثير من اختيار رودولف كلابيتوج إيكون المغمور أو سالي برودهوم للفوز بجائزة نوبل للآداب عوضا عن اختيار تولستوي.

بالطبع من الخطأ الرد بعجرفة على المتعجرفين ولكن عندما نواجه أولئك الذين يصرخون "هذا ليس أدب" فإن المرء يميل للوقوف مع فرانسيس بونج والذين كان يعّرف الشاعر مستذكرا لوتريمونت على أنه الشاعر الغنائي والذي بتعبيره عن "صوت الأشياء" يصبح أهم مواطن في قبيلته ولن نجد شخصا ينطبق عليه هذا التعريف أفضل من مؤلف "دقات الحرية" أو "السنين الطويلة الضائعة" الذي يبعث الحياة والموسيقى في ما أطلق عليه الناقد جريل ماركوس "الجمهورية الخفية" للثقافة الأمريكية.

إن المرء يميل أيضا للوقوف مع مالارم الذي حثنا بنفس الأسلوب على "تقديم معنى أعمق لكلمات القبيلة" ومرة أخرى من أفضل من هذا الفنان القادر على لصق الأشياء ببعضها وساحر الاقتباس والتناص وكاتب الأغاني المقتضبة والخيميائي اللفظي الذي أمضى حياته في إعادة ابتكار كلمات الآخرين وكلماته والعثور على جذوة هذا العصر من تحت رماد هزائم العصر وتحويل الرصاص الذي يسمعه في الراديو إلى ذهب.

أو دعونا ننظر للفروقات المألوفة، يقول ليفي، بين الكتاب الذين يقومون باستخدام اللغة بشكل فعال والكتاب الذي يحيكون تلك الكلمات لتصبح مثل الحرير. ألم يكن ديلان يلمح لشيء مشابه وذلك عندما قام بعد سنوات من الكفاح من أجل الحقوق المدنية ومقاومة الحرب في فيتنام ودعم الثورة النسوية بتسمية أحد أجمل أغانية "أنا غير موجود" وكأنه يقول أنا لم أعد موجودا ولم أعد خادمكم والوداع لذلك كله وإلى اللقاء.
#2#
لكن السؤال الحقيقي يكمن في مكان آخر فالتجربة الأكثر حسما هي مقارنة التفاح بالتفاح أي مقارنة مؤلف أغنية "الشقراوات" مع أولئك الذين كانوا وما زالوا من معاصريه.
إن ديلان هو مثل كورياك ولكن يختلف عنه بقدرته على الغناء وهو مثل بوروفس عندما لحن الموكب العظيم للحركة الشبابية في الخمسينات بحفلاتها الصاخبة. لقد كان ألان جينسبيرج محقا عندما عبر عن اندهاشه عندما سمع أغنية ديلان "المطر الصعب سيسقط" لأول مرة سنة 1963 وهي أغنية تتميز بأن لهجاتها ورتمها التغيير السريع والمفاجىء في تركيزها والرحلة إلى قلب الكلمات والخيال فيها تعكس أفضل أنواع الأدب في تلك الفترة ولكن مع الموسيقى كذلك.

هل يمكن أن نستخدم هذا ضد ديلان ونتهمه بخطيئة أنه طّعم ويليام بلاك ووالت ويتمان بترانيم البلوز والسول والموسيقى الريفيه؟ لماذا نحرم المغني الذي قام بجولة فنية لا تنتهي (أكثر من ألفي حفلة موسيقية) من الكرامة الممنوحة دون تردد لمؤلف رواية على الطريق؟

لقد قال لويس أراجون إن وضع الموسيقى في القصيدة هو يشبه الانتقال من الأبيض والأسود للملون. لقد كان الشاعر أراجون الذي غنى قصائده ليو فيري وآخرون يعتقد أن القصيدة غير المغناة هي نصف ميتة.

يبدو أن ديلان كان الوحيد من حقبته الذي تمكن من أن يجسد بشكل كامل الروح الموسيقية الضرورية للشعر العظيم وهو الصوت الثاني الذي يطارد كل شاعر الذي عادة ما يعطيه بشكل عام لأولئك الذين يقرأون شعره. إن ديلان يمثل كذلك قوة الأغنية التي تعتبر حقيقته النهائية والسرية علما أن البعض قد أصيبوا بالجنون وهم يحاولون إخراجها من القفص لتصبح نشيدا.

ويختم برنار ليفي دفاعه المحموم عن أحقية ديلان بهذه الجائزة بوصفه ثورة شعرية-موسيقية في رجل واحد أي شاعر غنائي وملحمي معا. مؤكدا أن هذا الإنجاز والأداء المذهل – العبقرية الدائمة التي لا تزال شابة- هو الذي اعتمدت عليه لجنة نوبل في اختيارها لبوب ديلان.

الأكثر قراءة