من يجعل الحمقى مشاهير؟ .. شركات وساطة واتصال وليس المتابعين

من يجعل الحمقى مشاهير؟ .. شركات وساطة واتصال وليس المتابعين
كثير من التطبيقات والشركات نمت دون المرور بعمل مؤسسي ينظر في المحتوى ويقنن الظهور.
من يجعل الحمقى مشاهير؟ .. شركات وساطة واتصال وليس المتابعين

"في سبيل الشهرة تحب الحماقة الموت". هذا ما قاله الشاعر الإنجليزي بايرون، مطلع القرن التاسع عشر قبل ابتكار أجهزة الكمبيوتر والإنترنت وتطبيقاتهما الاجتماعية. وأيضا ما عاد ليؤكده الأديب العربي نجيب محفوظ بعد ذلك بزمن قائلا: الإنسان رغم ابتكاراته وانتصاراته ما زال غارقا حتى أذنيه في الحماقة والسخف. ولتفسير أسباب الحماقة وارتباطها اللصيق بالشهرة الانتحارية. هناك خطأ ثقافي شائع تبثه مقولة مترجمة: "لا تجعلوا الحمقى مشاهير". باعتبار المعجبين أو حتى الكارهين هم من يصنعون شهرة البعض بمتابعتهم. متغافلين لأدوار اقتصادية وثقافية محيطة أكثر واقعية وتحفيزا من نزوات فردية ضاربة في عمق التاريخ البشري.

مكافأة موعودة

حقيقة صناعة "النجوم" الجدد عبر وسائل اجتماعية حديثة. لا تختلف كثيرا عن صناعة الحمقى في العصور القديمة. إذ تظل صناعة لها سياقات ثقافية تتفشى بفعل المستفيدين منها اجتماعيا واقتصاديا. وليس من قبل ممارسيها واقعا أو اصطناعا أو من قبل مستهلكيها ومتابعيها الموجودين قبل هذه العبارة وبعدها.

فالأحمق أو مصطنع الحمق على هذه الشبكات نتيجة فقط لسياقات مادية وثقافية تقف خلفها شركات وساطة واتصال وتسويق تقدر أسواقها اليوم بملايين الريالات. فيما تثير بأفكارها المحدودة وأطروحاتها التسويقية المستهلكة أجواء من ثقافة التنافس العبثي الذي تنمو فيه مثل هذه الرغبات والنزوات الفردية الموسومة بالحمق، المحفزة بدورها لأسواقها الإعلانية الرقمية. فيما يستجدي المستخدم العادي الإعجاب والمشاركات والمشاهدات بحجة الدعم وفي انتظار المكافأة الموعودة. أملا في اللحاق بركب من سبقوه من مشاهير التواصل. حيث أثبتت التجارب السابقة له ولغيره من صغار السن أن هناك من القنوات التلفزيونية، بل وبعض الجهات الرسمية من احتفت بأشباهه دون تمييز.

استغلال حاجة

"الحماقة الشبكية" وكواليسها أصبحت من الأمور الجديرة بالبحث والتقصي، خصوصا والجهات المعنية في السعودية، بدأت في اتخاذ إجراءات ضبطية تجرم هذه المظاهر المسيئة ومن يقومون ببثها علنا. علما بأن هؤلاء المدانين من مشاهير التواصل الاجتماعي ليسوا إلا جزءا من سلسلة ثقافية اقتصادية مهدت لهذا النوع من الظهور.
#2#
"لا أحد يكره أن يكون شخصا معروفا يشار إليه بالبنان" حاجة نفسية وحقيقة اجتماعية لا يمكن إنكارها، وعلى الأخص شباب مراهق في مقتبل العمر. ولكن السؤال الحقيقي ماذا تملك كفرد من موهبة ومقومات فنية إبداعية أو فكرية قيمية تقدمها للآخرين كضريبة لمعرفتك على نطاق واسع؟ الجواب غالبا بالنسبة لكثيرين ومن باب حسن الظن بالذات "أملك الكثير ولكن لا أحد يقدر". وفي هذه المسافة بالذات بين ما نملك وما لا نملك. نمى كثير من التطبيقات ومواقع التواصل والشركات التي تسهل الوصول إلى الآخر واختبار ما يستحق وما لا يستحق، ما يثير وما لا يثير، دون المرور بعمل مؤسسي ينظر في المحتوى ويقنن كيفية الظهور.

ردم المستنقع

من وجهة نظر تقنية هذه طبيعة الإعلام الفردي وحتمية منصاته. في حين أن السياقات الثقافية التي تتغذى على هذه المنصات وتغذيها متغيرة، إذ تحكمها ثقافة البلد ومواطنيه. وما تشيعه من شركات وساطة وتسويق تنشأ انطلاقا من هذه المنصات، إذ تقوم على الربط بين المشاهير والجماهير فضلا عن تحفيز آخرين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لخوض غمار سوق جديدة في دورة اقتصادية "آسنة" للتسويق من جهة وصناعة نجوم جدد من جهة أخرى مع غياب واضح لتأطير المحتوى وتقويمه أو تجويده.

ورغم كل ذلك يؤخذ الأحمق بجريرة فعله، بينما تغيب المساءلة أو المحاسبة عن سياقات ترعاها شركات تتربح ماليا. القائمون عليها مسؤولون بشكل مباشر أو غير مباشر عن صناعة الحمقى وتحفيز القابعين في بيوتهم للمزيد، بذريعة العفوية التلقائية وعدم التصنع، فضلا عن كثير من الشعارات التي تروج لها مثل هذه الشركاتن والمحفزات وأجواء التنافس العبثي التي توجدها، ليطمع كثير من الشباب محدودي الثقافة والموهبة، في الوصول السريع بغض النظر عن المحتوى المقدم. وهذا بحد ذاته جو غير صحي ومستنقع ملائم لنمو حشائش الحماقة باستمرار. لذلك وجب ردم المستنقع ومسبباته الاقتصادية وليس حشائشه الثقافية التي ستعود للنمو مرة بعد أخرى.

الأكثر قراءة