الصحافة .. «ثقافة أخبار» تعدد حاملوها والحاجة واحدة
طالما تبادل الناس الأخبار متى اجتمعوا فيما بينهم، فانتفاء وجود الأخبار أمر مستحيل؛ وجرت الألسن على السؤال ما الأخبار؟ ما آخِر الأخبار؟ أمَا منْ خبرٍ؟ كما أن العقل لا يقبل ألا تكون هناك مستجدات أو لا يكون هناك جديد.
لكن لا أحد استفهم يوما عن أصل أو معنى كلمة الأخبار؟ لغويا؛ ونقصد تحديدا الجِذر اللاتيني، ترتبط بالزمن فكلمة nouvelles بالفرنسية، وnews بالإنجليزية، وnovosti بالروسية أو nyhet في اللغة السويدية تشير كلها إلى جذر كلمة "جديد".
واصطلاحا هي أنباء أو تقارير أو روايات عن أحداث أو وقائع "مستجدة"، تلتقي أو تتحد معا كمعلومات "مستحدثة". تظهر إذن متلازمة حضور معطى "الحداثة" -نسبة إلى الحديث- في الخبر، وبالعودة إلى التعريف القاموسي نجد أن من المفترض أن يتكون الخبر من عنصرين: أحداث تقع مؤخرا، ومعلومات جديدة.
ما أكثر الكتب التي بحثت موضوع الأخبار في الجانب المتصل بالموضوعية والحياد، لكن ندرت الأقلام التي اهتمت بالأخبار كمنتج ثقافي واجتماعي واقتصادي، تتغيَّر خصائصه تبعا لتغيرات الزمان والمكان، وتلحقه التطورات باستمرار.
تتضارب الروايات التاريخية عن الحقبة التأسيسية للأخبار، فمن المؤرخين من يربط نشأتها بظهور التجمعات البشرية على وجه الأرض؛ فوقوع حدث يستلزم خبرا يُنقل ورواية تُحكى عنه. ومنهم من يتقدم قليلا إلى بداية نشأة المدن؛ مركز تبادل الروايات والأخبار بين الغادي والرائح والمقيم. فيما يرى توجه آخر أن تأصيلا من هذا القبيل رجمٌ بالغيب، نظرا للتحولات الجوهرية التي لحقت الأخبار في منعطفات تاريخية كبرى.
صحافة شفوية
انتقلت الأخبار بالمشافهة بين الأفراد والجماعات، كما انتقلت بالكتابة في صيغة رسائل، يتولى نقلها رسُل وكِلت لهم هذه المهمة بمقابل؛ يتضمن عادة كلفتها مضافا إليها حساب المخاطر، بين القبائل والشعوب على طوال قرون من الزمن. وبلغ هذا الأمر، الذي كان سند المؤرخين الأوائل فيما يذهبون إليه؛ ذروته في القرن الـ13 الميلادي.
لكن أوروبا الوسيطة استشعرت حاجتها إلى أخبار خارج دائرة الرسميات، ومراسلات الحكام والسلاطين، وأخبار السلم والحرب والأحلاف، مع بروز مدن تجارية كبرى بها (فلورنس، روما، إشبيلة، براغ، باريس...).
وهكذا ظهر "حملة الأخبار" السيَّارون بالأماكن العامة في المدن الكبرى، حيث كان الناس ينتظِرون سماع الأخبار مقابل المال على جسر ريالتو في صورة تشبه الصحف الرسمية. ويذهب أحد المؤرخين إلى أن باريس وحدها ضمت آلافا من رواة الأخبار السيَّارين، عمل بعضهم بعديد من المدن وعلى مقربة من الأسواق.
وتربط مصادر أخرى الأصول الشفوية للأخبار بوابل الأسئلة التي يتعرض لها المسافرون عن الأخبار التي حملوها من المناطق التي زاروها؛ إلى حد أن نقل المسافر للأخبار التي جمعها عُد على أقل تقدير ضربا من حسن الخلق -إن لم يكن واجبا- كمقابل لحسن ضيافته.
أخبار الورق
بلغ الطلب على مزيد من المعلومات درجة بات معها العثور على وسائل مطبوعة لتوزيع المعلومات ضرورة اقتصادية، وكانت التكنولوجيا المطلوبة لتحويل تناقل الأخبار إلى عملية صناعية هي آلة الطباعة، التي كانت أحدث التقنيات الصناعية المبتكرة في أوروبا.
لم تكن الأخبار آنذاك جديدة بالمفهوم الحديث للكلمة، لكنها أضحت منتظمة ومرتقبة؛ أي ظلت الأخبار في واقع الحال قديمة؛ فأحداثها تعود لأيام أو أسابيع أو حتى شهور مضت، لاسيما إن كانت ترد من مكان بعيد، غير أنها جديدة بمعنى أنها لم تكن معروفة من قبل، أيا كان قدمها، كما كانت في الوقت نفسه جديدة؛ لأنها صنِفت كأخبار وطُبعت في شكل خاص بالأخبار.
#2#
عودا إلى التاريخ نجد أن أول مطبوعة أسبوعية ظهرت في مدينة بازل بحلول عام 1610، وفي مدينتي فرانكفورت وفيينا بعدها بخمس سنوات. على أن أول شحنة كتب إخبارية باللغة الإنجليزية من أمستردام إلى لندن عبر بحر الشمال تعود إلى عام 1620.
ومن المعروف أنه قبل حلول عام 1626 صدرت 140 مطبوعة إخبارية باللغة الهولندية، وكان كثير منها يصدر بلغات أخرى منها الفرنسية والإنجليزية، بهدف بيعها في كل أنحاء أوروبا. ليكون بمقدور اللندنيين ابتداء من عام 1644 الاختيار بين 12 كتابا إخباريا أسبوعيا من ثماني صفحات أو أكثر.
وسهلت المقاهي والحانات مطالعة الصحف لقاء ثمن المشروبات التي تقدمها لغير القادرين على تحمل تكلفة شرائها، وعدَّت مهارة القراءة والكتابة أنذاك مهارة فردية وجماعية؛ فكان المتوقع ممن يستطيعون القراءة أن يقرؤوها لمن لا يستطيعون ذلك.
صناعة الأخبار
استخدمت كلمة "Journalist" (صحافي) لأول مرة سنة 1693، لوصف من يكتبون عن الأنشطة الاجتماعية اليومية في الصحافة العامة. أضحى الخبر إذن معلومة تنتقل من المصادر إلى الجمهور، إذ يُوجز الصحافيون وينقحون ويبدِّلون ما يصل إليهم من المصادر المختلفة لتصبح المعلومة مناسبة للجمهور.
وبلغت الصناعة الإخبارية ذروتها مع دخول التلغراف حقل نقل الأخبار؛ إذ نقل الرسائل بسرعة الكهرباء، فيما لم يكن من الممكن نقل السلع الأخرى إلا ماديا. وهو ما أشار إليه بروديل في كتابه "منظور إلى العالم" بقوله إن: «الأخبار والسلع، ورأس المال والديون، والأفراد والمعلومات والمراسلات تتدفق جميعها إلى المدن ومنها».
زاد رويتر ووولف لمعان بريق هذه الصناعة، عندما أقدمت صحيفته الليبرالية "ناشيونال زايتونج" على نشر أول رسالة تلغرافية في التاريخ، عن الأسعار بالأسواق المالية في مدينتي فرانكفورت وأمستردام ليومي 27/ 28 من نوفمبر عام 1849.
وهكذا التقى رأس المال الأوروبي مع السياسة والثقافة، فامتزج الكل في صناعة إعلامية حولت أهم مدن أوروبا بقاعا لتأسيس كبريات الشبكات الإخبارية في العالم. مؤسسات وصف أنطوني جيدينز دورها الثوري في التاريخ المعاصر، عندما قال إنها: «قادرة على الوصل بين المحلي والعالمي على نحو لم يكن بالإمكان تصوره في المجتمعات الأكثر تشبثا بالتقليدية، وهي تؤثر في حياة الملايين من الأفراد».
اقتصاديات الأخبار
شهد القرن الـ19 تحول الأخبار إلى سلعة تجارية، فمحررو الصحف الذين ناصروا حزبا ما نظروا إلى قرائهم باعتبارهم ناخبين، وبنهاية القرن لم يعد المحرر والناشر ينظران إلى القارئ كناخب فحسب، بل كمستهلك ينبغي العمل على إرضائه أيضا. من هنا ولدت الصحيفة الحديثة التي نعرفها اليوم بكثير من البلدان بحلول النصف الثاني من القرن الـ19.
وعن هذا التحول النوعي للصحافة إلى ممارسة تجارية وعمل اقتصادي كتب المفكر الألماني يورجن هابرماس "إن تاريخ كبرى الصحف اليومية في النصف الثاني من القرن الـ19، يثبت أن الصحافة في حد ذاتها بات بها من التلاعب إلى درجة أن اصطبغت بطابع تجاري".
ويرى آخر أن الأخبار غدت في القرن الـ19 منتجا مصنوعا، يعكس متطلبات الأطراف التي تتدخل في إنتاجه وتوزيعه واستهلاكه، وزادت ثورة وسائل التواصل الاجتماعي التي نعيش على إيقاعها في زمن الحداثة الفائقة من ذلك.
ما فرض معايير جديدة للأخبار (السبق، السرعة، الحصرية...) نظرا للدور الذي أضحت تمثله المعلومة الخبرية في موازين القوى العالمية، وفي حسابات الاقتصاديين وقرارات السياسيين وتوجهات رجال الإعلام.