آلان باديو: من لا يعرف الحب لا يعرف الفلسفة

آلان باديو: من لا يعرف الحب لا يعرف الفلسفة
تزيد أعماله على خمسين كتابا، ما بين الفلسفة والنقد والسياسة والسينما والرواية والمسرح.
آلان باديو: من لا يعرف الحب لا يعرف الفلسفة
كتب «باديو» عن مفاهيم الوجود، السعادة، الحب،.. بأسلوب ممتع، بعيدا عن تخندقات الحداثة وما بعدها.

واحد من أشرس منتقدي رطانة الشعارات الفرنسية وتقلبات مفكريها، وأحد أكثر المتصلبين عنادا في الإصرار على أهمية الشيوعية والماوية والماركسية حتى لو بقي وحيدا بعد رحيل معظم مجايليه، وارتداد معظم من تبقّى منهم على قيد الحياة بفعل التطورات المتلاحقة.

واحد ممن يهوون بمطرقة النقد بلا مواربة على أمجاد تاريخ الحرية والإخاء والمساواة في فرنسا، بقوله "ثمة تاريخان متضافران لفرنسا، يتوازى فيهما التمرد الثوري العظيم مع الرجعية الوسواسية المتشككة".

واحد ممن يضعون أحد مبادئ الثورة في مرمى سهام نقده الحاد، إذ يرى أن "مصطلح "الإخاء" هو أكثر مصطلحات شعار الجمهورية غموضا. يمكن أن نتناقش حول "الحرية"، لكننا نعرف ما هي. ويمكن أن نُقدم تعريفا دقيقا تماما عن ماذا تعني "المساواة"؟ لكن ماذا يعني "الإخاء"؟ هذا يمس بلا شك قضية الاختلاف".

كل هذا يصدر عن شيخ اليساريين؛ وآخر عظماء ثورة 1968، صاحب المواقف السياسية التي تعزف لحنا نشازا في السماء الصافية للروتين اليومي لجدول ديمقراطية التلفزيون. دون أن يستطيع أشد منتقديه إنكار أهميته في الحقول الفلسفية والسياسية المعاصرة التي تظل مساهمته فيها نوعية بدمغته الخاصة.

#2#

إنه الفيلسوف الفرنسي آلان باديو ALAIN BADIOU الذي أعادت إليه ثورات الربيع العربي الأمل في مستقبل جديد للإنسانية، ينطلق مرة أخرى من عند العرب، كما كان عليه الحال ذات زمن غابر، وعن ذلك يصرح لجريدة لوموند الفرنسية في أوج ثورات العرب شباط (فبراير) 2011 بأن "تونس ومصر برهنتا على أن ريح الشرق أزاحت كبرياء الغرب، فلنكن تلاميذ هذه الحركات الثورية وليس أساتذتها الأغبياء".

رباطي المولد - نسبة إلى مدينة الرباط - في حقبة الاستعمار الفرنسي للمغرب سنة 1937، من القلائل الذين بقوا أوفياء لموسوعية الفلسفة في بداياتها، قبل أن تتخصص في التحقيب الزمني أو الموضوعات والقضايا... تزيد أعماله الفكرية على 50 كتابا، في مشارب شتى ما بين الفلسفة والنقد والسياسة والسينما والرواية والمسرح.

"بيان من أجل الفلسفة" (1989) من الأعمال التي فرضت هذه الاسم في الساحة الفلسفية العالمية، رغم ظهوره القوي منذ ستينات القرن الماضي في المشهد الفكري والفلسفي الفرنسي، إذ خاض في هذا الكتاب الممتع نقاشا هادئا وعميقا مع المواقف والآراء المناهضة للفلسفة. ومنها تلك المزايدات التي ترى أن زمنها ولى وانقضى، من أمثال الفيلسوف لاكو لبارت Lacou-Labarthe القائل "أبدا، لا ينبغي أن تكون لدينا رغبة في الفلسفة"، أو الفيلسوف ليوتار Lyotard الذي يذهب إلى حد اعتبار "الفلسفة كنظام هندسي سقطت".

فتساءل باديو "ألا يمكن أن نحتفظ بفلسفة في سياق هندسة إلكترونية أو ككتابة عن الحطام أو الأطلال أو كانفعال على الكتابة الحائطية"؟ إنها صور المجاز عند ليوتار في أسلوب التفكير المعاصر، فلم يجد فيلسوف الحدث - كما يلقب نسبة إلى كتابه "الكائن والحدث" سنة 1988 - ليدافع عن الفلسفة إلا الاستنتاج بأن فلاسفة العصر "ليوتار ودولوز وجادامير..." لجأوا إلى كتابة مقلوبة، ودعائم غير مباشرة، ومرجعيات منحرفة.

كتب هذا الأكاديمي المشاكس ذي الطابع المزاجي عن مفاهيم الوجود، الحقيقة، الميتافيزيقا، السعادة، الحب،.. بأسلوب ممتع، وبعيدا عن تخندقات الحداثة وما بعد الحداثة والحداثة الفائقة... أيديولوجيا يُحسب الرجل على أقصى اليسار بنهج اشتراكي معروف، ويراه البعض النسخة الفرنسية من الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك Slavoj Zinek، مع تسجيل ملاحظة - شخصية هنا - تفيد بأن هذه النسخة عميقة ورزينة وهادئة، دون التنازل عن شراسة النقد عندما يتطلّب الأمر ذلك.

استفز باديو النخب والجماهير الفرنسية برفضه أي تفسير ديني لما يشهده العالم الغربي من اعتداءات؛ بعلة أن ذلك يشرعن واقعيا لأطروحة "صراع الحضارات". ففي نظره ما يجري مجرد رد فعل عن سطوة الإسلاموفوبيا إلى الواجهة. بتعبير آخر يرى باديو "أن ما يحصل ليس سوى أعراض مرحلة تعيشها البشرية ضمن مشروع الرأسمالية المعولمة"، ويضيف "إن معضلتنا تأتي مما هو أبعد مما نراه، إنها نتيجة نظام عام لا يستطيع تحقيق وعوده"، مؤكداً أنه بات من الضروري اختراع بدائل أيديولوجية لشباب العالم.

قد تبدو العودة إلى تراث شيخ اليساريين - من وجهة نظر البعض - فاقدا لأي معنى في زمن العولمة الزاحف وسقوط آخر قلاع اليسار في العالم. بيد أن الحقيقة غير ذلك تماما، فكتابه "في مدح الحب" Eloge de l’amour الصادر عام 2009، كاف كي تبقى آراؤه محط نقاش سنين عددا.

وتعود فكرة الكتاب إلى حوار عامٍ عن الحب أقامه باديو مع نيكولا ترونج Nicolas Trurong، ضمن سلسلة "مسرح الأفكار" الذي ينظمه مع مهرجان أفينيون، قبل أن يتم تنزيل ذاك الحوار في شكل كتاب، نقلته إلى اللغة العربية غادة الحلواني عام 2014، عن دار التنوير للطباعة والنشر.

يُعلنا الفيلسوف؛ طي هذا الكتاب، منذ البدء وبوضوح "إن الشخص الذي لا يتخذ الحب نقطة بداية له لن يعرف أبدا ما هي الفلسفة". فالحب - من وجهة نظره - في عالم اليوم أسير حلقة مفرغة، وعليه فهو تحت التهديد. أعتقد - يقول باديو - "إن مهمة الفلسفة، كما هي مهمة الحقول المعرفية الأخرى، قبل أي شيء آخر، أن تدافع عنه. وهنا على الأرجح يأتي قول الشاعر رامبو "إنه يحتاج كذلك إلى أن يُبتكر من جديد. فلا يمكن أن يكون محض فعل دفاعي ببساطة للحفاظ على الوضع الراهن. إن العالم مليء بما هو جديد، ويجب أن يكتسب الحب هذا التجديد. يجب أن نبتكر من جديد المخاطرة والمغامرة في مواجهة الأمان والراحة".

ضمن فصول الحوار يقر هذا اليساري بأن "الحب هو بناء الحرية. ستسألني: أي نوع من الحرية؟ حسنا، أنا أعني الحرية في نقطة محددة تماما: ما نوع العالم الذي يراه المرء حين يختبره من وجهة نظر اثنين وليس واحدا؟ كيف يصبح العالم حين يختبره ويمارسه ويعيشه من وجهة نظر الاختلاف وليس الهوية"؟

يستمر السجال حول هذا الموضوع الذي شغل الفلسفة والفلاسفة منذ أفلاطون مفصلا في خمسة فصول، يحضر فيها تقريض هذا الشيخ بنفسه الثوري صادم أحيانا، فالرجل يرفض مطلقا "اختصار الحب في اللقاء الأول لأن الحب عملية بناء، إن اللغز في التفكير حول الحب هو قضية المدة الزمنية الضرورية التي يحتاج إليها ليزدهر".

ختاما لا بد لنا من الاعتراف بأن بادو هو اسم في تاريخ الفلسفة؛ اسم لتركيب جديد بين جلاء مذهب المادية وأمل المثالية الذي لا يقهر.

الأكثر قراءة