«أدب البطولة» السعودي .. حضرت التضحيات وغاب إبداع المثقف
"والحرب لو يعلمون لا تستعر نيرانها في أجواف المدافع بل في قلوب الناس وأفكارهم أيضا". المقولة للأديب العربي الراحل ميخائيل نعمة. والمعنى لا يزال حاضرا وسيظل ما استمر "الصراع" واقعا إنسانيا محتما تشعله أطماع "اللصوص" وتطفئه تضحيات الأبطال "الشرفاء". فما "الحرب" إلا شكل من أشكال هذا الصراع الأزلي. يدفع لها الآمنون. بينما يطلبها من تساوت لديه حسابات الأمن والخسارة. ومع كل ذلك فللحرب تاريخ يوثق.
وأدب يروى ويكتب. شعرا ونثرا وسردا. تاريخ وأدب "لا يكتبه المنتصرون". بقدر ما يتصدى له المبدعون والعارفون بأثر "السرد" وقيمته في المسارات الصلبة والناعمة من ذاكرة الوطن ومواطنيه. تأصيلا لتضحيات وبطولات لم تبذل سدى. واشتغالا على هوية وطنية تتشكل باستمرار العمل والإنتاج وبطول الحدود التي يقوم أبطال المجتمع على حمايتها داخليا وخارجيا ليل نهار. فإذا عرف الشهيد بفدائه وبتضحياته. من الواجب أن يعرف المبدع بأعماله وكتاباته.
الظرف على الحد الجنوبي السعودي وفي بعض المواقع المستهدفة إرهابيا استثنائي. والأعمال البطولية لا تعد ولا تحصى. قصص إنسانية في انتظار من يلتقطها. وصور تآخ من المناطق كافة في انتظار من يوثقها. ويبقى الغائب الأبرز عن المشهد مثقفون يفقدون إحساسهم تجاه كل ما هو عام. مع تضخم ملحوظ تجاه كل ما هو خاص. فتكثر المطالبات التنظيمية والسجالات الشخصية الضيقة فيما تتضاءل بشكل عكسي الإنتاجات الأدبية والثقافية المميزة.
#2#
ورغم قسوة واقع الحروب وكثير من مراراتها. إلا أنها على مر التاريخ لم تخل عالميا من روائع أدبية ونقدية لا تزال تقرأ لليوم. بوصفها ذروة الإبداع البشري. وصفوة أفكاره. ما يدفع كثيرا من النقاد العالميين إلى القول إن الملهاة لا تولد إلا من رحم المأساة. وكذلك هي الأعمال الوطنية الخالدة في تاريخ الشعوب وحضاراتها المتعاقبة. أشهرها "وداعا للسلاح" للكاتب الأمريكي همنجواي، و"الحرب والسلام" لـ تولستوي .. وأعمال عربية أخرى كثيرة في هذا المجال.
إذ يكتب الراحل فتحي رزق في كتابه "جسر على قناة السويس" مذكرات يومية لحرب الاستنزاف حتى عام 1974، أي بعد انتهاء حرب أكتوبر. وهناك رواية حكايات الغريب والرفاعي للراحل الصحافي والروائي جمال الغيطاني، التي رصد فيها أبطال الجبهات والتغيرات التى تحدث للشخصية المصرية أثناء حدث عظيم سلبي كنكسة 1967 أو إيجابي كحرب أكتوبر. فضلا عن أدب فؤاد حجازي بصفته محاربا على الجبهة، وغير ذلك من الأعمال العالمية والعربية التي حظيت بمطالعات وإشادات والأهم قراءات نقدية متواصلة تحت ما يعرف بـ"أدب الحرب".
والمثقف أو المؤرخ السعودي كما الناقد والمفكر ليس استثناء من ظروف حرب وصراعات تمر بوطنه تماما كما مرت وتمر بأوطان الآخرين. وأقل الواجب المعرفي قبل الشخصي والوطني ألا تمر مثل هذه الأحداث مرور الكرام. في أحسن الأحوال أو تزويرا وتضليلا من قبل الآخرين المعادين - وما أكثرهم - في أسوئها.
فمن جهة، يؤخذ على بعض المثقفين والنقاد السعوديين انشغالهم بصراعات فكرية جانبية ليست بمستوى الحدث الأولى والأكبر على الحد الجنوبي. ومن جهة أخرى، هناك من يستغل الموقف على الجانب الآخر - مثقفون عرب وغير عرب - للاصطياد في ماء عكروه عن سابق إصرار وترصد بغرض الخوض في إساءات مستمرة تجاه السعودية تبدأ من حيث تنتهي. كعادة متأصلة لديهم. ولكنها وجدت فرصتها السانحة في هذا الظرف الاستثنائي وفقا لما تشتهيه أهواؤهم لا وفقا لما تقتضيه موضوعية الأحداث وتداعيات حقائقها.
يبقى أن الإبداع ولحظته المميزة ليس بحاجة إلى دعوة. فهو نتاج تراكم معرفي وشعوري. يخرج بتلقائية الكاتب وعفوية العمل المبدع. ليكون ملهما للجميع بهمه الوطني وبإشعاعه الأدبي والفكري. حيث جل الأعمال التي وثقت للحرب وأبطالها كان كاتبها أو الروائي فيها كجندي يحمل السلاح أو مراسلا حربيا يرى بعينيه تجاذبات الحرب وتداعياتها ليسجلها بموضوعية المؤرخ وريشة الفنان والتقاطات الروائي الذي يجمع كل ذلك من زوايا مختلفة ليقدم عملا لا غنى عنه لتاريخ الوطن والتئام هويته الجامعة.